آفة التصدر قبل التأهل !
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

الدعوة إلى الله من أجلّ الطاعات، وهي سبيل الأنبياء، ولكن يجب أن تكون على علم، وبصيرة، ومعرفة، قال الله تعالى )قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي([يوسف : 108] ، وقد بوَّب البخاري في صحيحه (باب العلم قبل القول والعمل).

 

والتصدر هو الخروج عن دائرة طَلَب العلم، وتحصيله، وتعلُّمه، إلى دائرة الدعوة، والتوجيه، والفتيا، وربما الكتابة والتأليف، قبل الرسوخ، والنضج، والإتقان، فعلى طالب العلم أن يتقن العلوم أولًا، وألّا يتجاوز مرحلة الطَلَب إلا بعد الثبات والرسوخ، فإنْ فَعَلَ، وتصدَّر للتعليم والتوجيه قبل أن يكون أهلًا لذلك، فهو انحراف عن الطريق، واستعجال للثمرة، و سبيل خاطئ لن يصل بصاحبه إلا إلى الزلل في الحال أو في المآل، وقد قيل: "من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه".

 

ومما يذكر في هذا الباب أنّ أبا علي الفارسي مر بحلقة فيها تلميذه أبو الفتح ابن جني، والناس حوله، ولم يكن ابن جني حينذاك أهلًا للتدريس، فقال له الفارسي: "تَزَبَّبْتَ وأنت حِصْرِم" أي: صرتَ زبيبًا وأنت ما زلت حصرمًا، والحصرم هو الثمر قبل النضج, وقيل: إن ابن جني ترك ما كان عليه، ولازم الفارسي أربعين سنة.

 

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: "إنَّ مما يجب الحذر منه أن يتصدر طالب العلم قبل أن يكون أهلًا للتصدر؛ لأنه إذا فعل ذلك كان هذا دليلًا على أمور‏:‏

الأمر الأول‏:‏ إعجابه بنفسه حيث تصدر فهو يرى نفسه عَلَم الأعلام‏.‏

الأمر الثاني‏:‏ أن ذلك يدل على عدم فقهه ومعرفته للأمور؛ لأنه إذا تصدر، ربما يقع في أمر لا يستطيع الخلاص منه، إذ إن الناس إذا رأوه متصدرًا أَوْرَدوا عليه من المسائل ما يبين عواره‏.‏

الأمر الثالث‏:‏ أنه إذا تصدر قبل أن يتأهل لزمه أن يقول على الله ما لا يعلم؛ لأن الغالب أنَّ مَنْ كان هذا قصده، أنه لا يبالي، ويجيب عن كل ما سٌئِلَ، ويخاطر بدينه بقوله على الله - عز وجل - بلا علم‏.‏

الأمر الرابع‏:‏ أن الإنسان إذا تصدر فإنه في الغالب لا يقبل الحق، لأنه يظن بسفهه أنه إذا خضع لغيره -ولو كان معه الحق- كان هذا دليلًا على أنه ليس بعالم"‏.‏

 

ويبقى أن هناك فرقًا بين التصدر وبيان الحكم الشرعي، أو نقل كلام العلماء في مسألة ما، أو بيان مسألة من المسائل الظاهرة كبيان التوحيد، أو التحذير من الشرك، أو شرح أركان الإسلام، مع معرفة قَدْر النَّفْس، وعدم تجاوز ذلك.

 

إعداد

مركز التبيان للاستشارات

14 شوال لعام 1436 من الهجرة النبوية

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *