إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام...!
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

الإفهام لمعنى قول الإمام أحمد:

«إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام»

 

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِه وصحبِه ومنِ اتبعَ هداهُ، وبعدُ:

فقدِ اشتُهِرَ عنِ الإمامِ أحمدَ -رحمهُ اللهُ- قولُه لبعضِ أصحابِه: «إيَّاكَ أنْ تتكلمَ في مسألةٍ ليسَ لكَ فيها إمامٌ» ([1])، وهذهِ الكلمةُ الخالدةُ والنصيحةُ الغاليةُ من الإمامِ المبجَّلِ أحمدَ بنِ حنبلٍ تُعَدُّ نبراسًا لطالبِ العلمِ تعصمُه منَ الشذوذِ عنْ سبيلِ المؤمنينَ، وتهديه إلى الحقِّ المبينِ، وتقيه الانحرافَ عن الصراطِ المستقيمِ .

ومعناها إجمالاً: عليكَ يا طالبَ النجاةِ باتباعِ سبيلِ السلفِ الصالحين، واحذرْ مخالفةَ العلماءِ السابقين، فلا تخرقْ إجماعَهم فيما اتفقُوا عليه، ولا تُحدثْ قولاً ينقضُ خلافَهم فيما اختلفوا فيه، واجتهدْ في الاستنباطِ من النصوصِ الشرعيةِ وفق فهمهم فيما لم يتكلموا فيه، معتمدًا على مصادرِهم في التلقي، سالكًا طرقَهم في الاستدلالِ، ومناهجَهم في الاستنباطِ .

ومخالفةُ هذا السبيلِ أدَّى بأقوامٍ تقفَّروا العلمَ إلى استحداثِ بِدَعٍ جعلوها سُننًا، وهجرِ سُننٍ ظنوها بِدَعًا، حتى قالَ العلامةُ بكرُ أبو زيدٍ -رحمه الله- تعليقًا على كلامِ الإمامِ أحمدَ السابقِ : «أينَ هذا الهديُ السَّنيُّ المقتصِدُ في السنةِ منَ الذينَ يسْتظهرونَ سننًا وهديًا في عصرِنا لم تكنْ معروفةً في عمرِ التاريخِ الإسلاميِّ؟! ثمَّ هم يجالدون عليها، ثم يتديَّنون ببغضِ منْ لم يَتَسَنَّنْ بها، واللهُ يعلمُ ما في أَنفسكم فاحذروه» ([2]) .

وأما معناها تفصيلاً: فمنْ خلالِ استقراءِ مجملِ  كلامِ العلماءِ في مسائلِ العلمِ وِفاقًا وخلافًا، يمكنُ تقسيمُها إلى ثلاثةِ أنواعٍ:

 

النوعُ الأولُ: مسائلُ أجمعوا عليها، فيجبُ اتباعُهم، ولا تجوزُ مخالفتُهم، إذِ الإجماعُ حجةٌ قطعيةٌ، يفيدُ العلمَ اليقينيَّ الجازمَ عندَ جميعِ أهلِ القبلةِ، إلا منْ شذَّ منَ الرافضةِ والخوارجِ والمعتزلةِ، ممنْ لا عبرةَ بوفاقهم فضلاً عنْ خلافِهم، ودليلُه قولُه تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] وجهُ الدَّلالةِ: أنَّ الوعيدَ على اتباعِ غيرِ سبيلِهم يدلُّ بمفهومِه على وجوبِ اتباعِ سبيلِهم، وهذه الآيةُ أمُّ البابِ وفصلُ الخطابِ، وعليها عوَّلَ الإمامُ الشافعيُّ في إثباتِ حجيةِ الإجماعِ .

لكنْ ينبغي على طالبِ العلمِ التحققُ من ثبوتِ الإجماعِ، ومعرفةُ مراتبِه ودرجاتِه، والتمييزُ بين الإجماعِ القطعيِّ والإجماعِ الظنيِّ، وبين الإجماعِ الصريحِ المتفقِ على حجيتِه والإجماعِ السكوتيِّ المختلفِ في حجيتِه، وليحذرْ من «الإجماعِ المجهولِ» -كما سمَّاه ابنُ القيِّمِ- الذي عناه الإمامُ أحمدُ بقولِه: «منْ ادَّعى الإجماعَ فهو كاذبٌ، لعلَّ الناسَ اختلفوا»، ولْيتنبهْ إلى أنَّ «ما لا يُعلمُ فيه خلافٌ فليسَ إجماعًا»([3])، وتفصيلُ ذلكَ في كتبِ الأصولِ .

 

النوعُ الثاني: مسائلُ اختلفوا فيها، وهي نوعانِ: سائغٌ، وغيرُ سائغٍ، وضابطُ الخلافِ السائغِ هو: حكمُ مجتهدٍ في مسألةٍ خَفِيَ دليلُها، وليسَ فيها نصٌّ ([4]) من كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ قطعيٍّ، وما خالفَ ذلك فهو غيرُ سائغٍ، سواءٌ كان في الأصولِ أمْ في الفروعِ، كما قيلَ:

                 وَليس كلُّ خلافٍ جاءَ معتبرًا            إلا خلافٌ له حظٌّ من النَّظَرِ

فأمَّا الخلافُ السائغُ، فالواجبُ فيهِ تحرِّي الصوابِ من أقوالِهم، وتجنبُ الخروجِ عليه ومخالفتِهم، فلو اختلفَ المجتهدونَ في عصرٍ على قولينِ -مثلاً- في مسألةٍ ما، فلا يجوزُ لمنْ بعدَهم إحداثُ قولٍ ثالثٍ -عند جمهورِ الأصوليينَ-، لأنَّ اختلافَهم على قولينِ إجماعٌ على بطلانِ كلِّ ما سواهما، ولذا قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ -رحمه اللهُ- وهو من أهلِ الاستقراءِ التامِّ في معرفة الخلاف:«كلُّ قولٍ ينفردُ بهِ المتأخرُ عنِ المتقدمينَ، ولمْ يسبقْه إليهِ أحدٌ منهم، فإنهُ يكونُ خطأً»([5]) .

وأمَّا الخلافُ غيرُ السائغِ، فالواجبُ هجرُه وتركُه لمنْ ظهرَ لهُ فسادُه، وهو مغفورٌ لمن وقعَ فيهِ من أهلِ الاجتهادِ، قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ -رحمه اللهُ- : «ولا ريبَ أنَّ الخطأَ في دقيقِ العلمِ مغفورٌ للأمَّةِ وإنْ كانَ ذلكَ في المسائلِ العلميةِ [أي الاعتقاديةِ]، ولولا ذلكَ لهلكَ أكثرُ فضلاءِ الأمَّةِ» ([6]) .

 

النوعُ الثالثُ: مسائلُ لمْ يتكلموا فيها، وهيَ نوعانِ: ما وردَ فيها نصٌّ صريح، وما لم يردْ .

فإنْ وردَ نصٌّ صريحٌ وجبَ القولُ به والمصيرُ إليهِ، وحرمتْ مخالفتُه، قالَ ابنُ القيمِ -رحمه اللهُ- :« فإنْ كانتْ دَلالةُ الحديثِ ظاهرةً بيِّنةً لكلِّ منْ سمعَه لا يحتملُ غيرَ المرادِ، فلهُ أنْ يعملَ بهِ ويفتيَ به، ولا يُطلَبُ له التزكيةُ منْ قولِ فقيهٍ أو إمامٍ بلِ الحجةُ قولُ رسولِ اللهِ e وإنْ خالفَه منْ خالفَه» ([7]) .

وإنْ لمْ يردْ فيها نصٌّ صريحٌ، فيلزمُ المجتهدَ أمرانِ:

1- بذلُ وُسعِه واستفراغُ جهدِه في استنباطِ الحكمِ، قالَ ابنُ القيمِ -رحمه اللهُ- : « وإنْ كانتْ دلالتُه [أي الحديثِ] خفيةً لا يتبينُ لهُ المرادُ منها، لمْ يجزْ لهُ أنْ يعملَ ولا يفتيَ بما يتوهمُه مرادًا حتى يسألَ ويطلبَ بيانَ الحديثِ ووجهَه» ([8]) .

2- اتباعُ منهجِ السلفِ في فهمِ النصوصِ والاستنباطِ منها، قالَ الشاطبيُّ -رحمهُ الله-: « يجبُ على كلِّ ناظرٍ في الدليلِ الشرعيِّ مراعاةُ ما فهمَ منه الأوَّلونَ، وما كانوا عليه في العملِ به، فهو أحرى بالصوابِ، وأقومُ في العلمِ والعملِ» ([9])، وقال أيضًا : «الحذرَ الحذرَ من مخالفةِ الأولينَ، فلو كانَ ثَمَّ فضلٌ ما، لكانَ الأوَّلونَ أحقَّ بهِ» ([10]) .

عن عمرِو بنِ العاصِ t أنَّ النَّبِيَّ e قالَ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» ([11]) .

قال ابنُ القيمِ -رحمه الله- : «وهذَا يَعمُّ مَا اجتهدَ فيهِ ممَّا لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ قولَ مَنْ قَبْلَهُ وما عَرَفَ فِيهِ أقوالًا واجتهدَ في الصوابِ منها، وعلى هذا دَرَجَ السلفُ وَالخلفُ، وَالحاجةُ داعيةٌ إلى ذلكَ لكثرةِ الوقائعِ واختلافِ الحوادثِ، ومنْ لهُ مباشرةٌ لفتاوى النَّاسِ يعلمُ أنَّ المنقولَ -وإنِ اتسعَ غايةَ الاتساعِ- فإنهُ لا يَفِي بوقائعِ العالَمِ جميعًا، وأنت إذا تأملتَ الوقائعَ رأيتَ مسائلَ كثيرةً واقعةً وهي غيرُ منقولةٍ، ولا يُعرفُ فيها كلامٌ لأئمةِ المذاهبِ، ولا لأتباعهمْ» ([12]) .

وصلى الله وسلم علن نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

اعداد مركز التبيان للاستشارات

26 شوال 1437هـ



([1]) «سير أعلام النبلاء» (11/296) ط. الرسالة، «المسودة في أصول الفقه» (ص450) ط. دار الكتاب العربي.

([2]) «المدخل المفصل» (1/350) .

[3])) انظر : «إعلام الموقعين» (2/175) دار الكتب العلمية .

([4]) المراد بالنص هنا: ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، وهو اصطلاح الأصوليين، لا الفقهاء .

([5]) «مجموع الفتاوى» (21/291) .

([6]) «المصدر السابق» (20/165) .

([7]) «إعلام الموقعين» (4/181) .

([8]) «المصدر السابق» (الموضع نفسه) .

([9]) «الموافقات» (3/289) ط. دار ابن عفان .

([10]) «المصدر السابق» (3/280) .

([11]) أخرجه البخاري (7352)، ومسلم (1716) .

([12]) «إعلام الموقعين» (4/204) .

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *