التخصص الدقيق ..ماله وما عليه ...!
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

الوصول إلى رتبة التحقيق العلمي ومقام الراسخين أمنية كل طالب علم منذ أن يثني الركب في حلق العلم وتكبر معه بمضي الأيام والشهور وهو يقضيها في طلب العلم وقد تتضاءل وتتلاشى في أيام البلاء لكنها تظل محفورة في عقله ومحفزة لة على البقاء في سلك التعلم ومانعة له من الرجوع إلى الوراء.

ولما كان للرتب المنيفة سبلها وطرقها كان على ناشدها معرفتها فمن رام خطبة الحسناء تعرف على أهلها وما يوصل إليها والعلم أحق بهذا.

ولما كان العلم مراحلا تقطع مرحلة بعد مرحلة تحتم على طالب العلم معرفة هذه المراحل والتمييز بينها إذ الخلط فيما بينها هدر لوقت طالب العلم وهو رأس ماله.

إن من أسباب الفوضى العلمية التي ابتلي بها بعض طلبة العلم عدم تمييزهم بين مراحل العلم ودرجاته فتراه يريد أن يرتقي للمرحلة الثالثة دون أن يمر بالثانية وهكذا دواليك ومن مظاهر هذا الظاهرة: إغراقهم في التفاصيل من مسائل الألغاز ونحوها ولما يتقن أصول مسائل العلم ظانين أن هذا الإغراق في التفاصيل هو التخصص.

إن مما يغيب عن أذهان طلاب العلم أن التخصص لايكون إلا بعد الإلمام العام بجميع العلوم الشرعية كما في سائر العلوم الأخرى ففي الطب مثلا لايتصور أن تكون أخصائيا إلا بعد أن تكون طبيب عام وهكذا في علم الهندسة كذلك فلم يريد بعض طلبة العلم طي بعض المراحل؟ ألا يتأسون بغيرهم من طلاب التخصصات الأخرى؟

إن التخصص قبل الإلمام العام شرخ في البناء العلمي لطالب العلم ومهما حاول القفز فلن يتمكن فبين العلوم الشرعية اتصال وثيق ووشائج لايمكن قطعها عن بعضها وهي مبنية بعضها على بعض فـ"العلوم آخذ بعضها برقاب بعض"([1]) والفقيه لا غنى له عن حد أدنى من علم الحديث وكذا المحدث وسائر أهل العلوم الأخرى.

ولا يفهم من هذا أن التخصص لا عبرة به بل هو ضرورة لمن وجد من نفسه الأهلية في النبوغ في فن من الفنون بعد التأهيل العام وبعد ترشيح أهل العلم له من أساتذته ومشايخه وقد يكون عليه فرضا إذا نبغ في علم تمس الحاجة إليه ويقل المتمكنون فيه كالقضاء ونحوه.

ومما يراعى في التخصص قدرات الطالب الذهنية وميوله وحاجة الأمة فإذا كان الطالب فقيه نفس فليس من الفطنة أن يطلب الحديث وإذا كان له دربة ومكنة في علم الحديث فليتخصص فيه يقول ابن حزم: "من مال بطبعه إلى علم ما وإن كان أدنى من غيره فلا يشغلها بسواه فيكون كغارس النارجيل بالأندلس وكغارس الزيتون بالهند وكل ذلك لا ينجب"([2]) وهكذا وليراعى من آتاه الله ملكة في جميع العلوم حاجة الأمة ففي بعض أعصارها تشتد الحاجة لعلم دون علم وفي عصرنا مع كثرة النوازل تشتد الحاجة للفقه لاسيما في فقه المعاملات عند الرجال وفقه المرأة عند النساء.

يقول الحجاوي في مقدمة الزاد:" الهمم قد قصرت، والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت"([3]) وإذا كان هذا أيام الحجاوي المتوفى سنة 968للهجرة فماذا عن زماننا؟ فلذلك يتعين التخصص في زماننا بعد التأهل العام.

ومما يذكر في التخصص أن يستشير الطالب فيمن يثق بعلمه من أساتذته ومشايخه فقد تكون لهم نظرة غائبة عن ذهنه ولا يعتمد على سجل درجاته فليس كشف الدرجات كل شيء وإنما يعتمد بعد الله على فراسة أشياخه لاسيما إذا كان يترتب على تخصصه عمل كالقضاء أو الإعادة ونحو ذلك.

وفي التخصص يقول الشافعي رحمه الله مبينا أهميته لمن تأهل له "من تعلم علما فليدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم"([4]) ومثله يقول ابن حزم :" من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو قادر عليه كان كزارع الذرة في الأرض التي يجود فيها البر وكغارس الشعراء حيث يزكو النخل والزيتون" ([5]) وبالتخصص يتحقق للمرء النبوغ والإتقان وبه ينتقل من رتبة المستفيد إلى درجة المفيد والمشارك في العلم وأحرى العلوم بالتخصص فيها هي علوم المقاصد (التفسير والحديث والفقه) بيد أن اكتمال الملكة فيها "مرهون باكتمال الفهم والاستيعاب لعدد من العلوم الآلية المساعدة، كعلوم العربية، وأصول الفقه، والمصطلح ... ، فبعض تلك العلوم يجب تعلمه وجوب الوسائل، إذ يتوقف فهم كلام الله ورسوله على فهم بعض مسائلها، فهي من قبيل (ما لا يتم الواجب إلا به) ، فهذا ما يجب، وأما ما لا يجب، فما لا تأثير له، وما لا ينبني عليه عمل، ولا ريب أنه بمقدار أخذ العالم من العلوم المساعدة، وتمكنه منها -خاصة فيما يتوقف فهم الخطاب عليه، وليس من الأبحاث المقررة أو التي هي فضلة-، يكون أقدر على الاجتهاد والاستنباط"([6]).

والله ولي التوفيق.

 

اعداد مركز التبيان للاستشارات

15 / 08 / 1437هـ


([1]) المشوق إلى القراءة وطلب العلم (115)

([2]) الأخلاق والسير في مداواة النفوس (22)

([3]) الشرح الممتع للعثيمين (1/22)

([4]) المدخل إلى السنن الكبرى (1/285)

([5]) الأخلاق والسير في مداواة النفوس (22)

([6]) المشوق إلى طلب العلم والقراءة للدكتور علي العمران(115)

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *