مشروع متعثر...!
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

البناء العلمي الشامخ لابد فيه من الصبر وتجرع مرارته والاصطبار على العلم؛ حتى يبلغ طالب العلم رتبة التحقيق، بل وبعد بلوغه مرتبة التحقيق العلمي، ونضوجه عالما.

إن قرار طالب العلم أن يكون عالما هو مشروع علمي كبير وليس مجرد حماس، وهذا المشروع يحتاج أموالا وأوقاتا وتفرغا ودراسة، وإلا فالمسألة لاتعد أن تكون دعوى، ولا بد للمدعي من بينة .

إن مشروع العالم ينبغي أن يمتلك معه طالب العلم رؤية ثاقية ونظرا بعيدا واستشرافا للمستقبل، وإلا انجرف مع موضة الدراسات الفكرية ، وتحول هدفه من عالم إلى مفكر وهو لايشعر حتما بتغير بوصلته إذ يخيل لبعضهم أن نفع الناس هو بالرد على التيار الفلاني والعلاني، وأن الانشغال بحفظ المتون وجرد المطولات نفع قاصر إلى ماهناك من نزعات إبليس؛ حتى يقع طالب العلم في المفضول عن الفاضل، فتترهل الهمة، ويصبح مشروع العالم الذي كان هجيراه نسيا منسيا.

إن لترهل الهمة هذا عدة مظاهر، ونحن في مقالنا هذا سنركز على مظهر واحد، سائلين المولى الإعانة في غيرها.

يرى كل غيور على العلم انصراف طلبة العلم نحو الدراسات الفكرية قبل اكتمال بناء ملكتهم العلمية، والدراسات الفكرية ليست مما يحذر منه طالب العلم لكن الإشكال يكون عندما ينشغل بها طالب العلم بها قبل  اكتمال البناء العلمي، أو بها كلية عن متين العلم وأصله، فترى الطالب يزهد في حفظ المتون ودراستها، ويعزف عنها بحجة مواكبة العصر والغزو الفكري، وتأمل معي عند صدور كتاب ما، ترى تلهفا للكتابات الفكرية عن الدراسات العلمية التأصيلية الجادة، ناهيك عن ضعف الإقبال على الحلق العلمية مقارنة بحلق النقاش الفكري في دائرة المبتدئين والمتوسطين من طلبة العلم، وأكرر أننا لانزهد ولا نحط من قدر الدراسات الفكرية لكن لاتكون على حساب متين العلم وأصله لمن تظهر عليه ملكة النبوغ والحذق العلمي، أما من عداه فهو حر بنفسه.

يقول ربيعة الرأي شيخ مالك (لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه) ([1])تأملها واقعا، واقرأ غير مأمور لبيان العلماء مغزاه، تجد كل الصيد في جوف الفراء.

إن تهيؤ الظروف لطلب العلم نعمة (وسوف تسألون)، فكم في أسواق المسلمين من عامي لو أتيح له الطلب، لكان وكان، لكن حيل بينه وبين الطلب لقمة عيشه، وتأمل في آبائك الذين خلوا هل كان عندهم مثل التيسير الذي عندك لطلب العلم ؟ إذن فعلام تضيعها.

ولقد كان من دقيق فقه بعض الشافعية أنهم أوجبوا الطلب على من تظهر عليه النجابة ، وليست المسألة هنا ترجيح قول أو تضعيفه، لكن المسألة أن تستنير بهذا القول في حفظ همتك عن الترهل وألا تضيع نفسك، فلا تنسى أنك كنت تريد نفسك عالما، فغدت تلك من أمنيات الماضي، وآثرت الجلوس على الشاطئ عن التبحر في بحر العلم.

إن مفكري الإسلام الذين أثروا في الحركة الفكرية ورابطوا على هذا الثغر كانوا علماء، ، والذين قارعوا الغزو الفكري هم العلماء فالملكة العلمية تمتلك معها بعد نضجها والارتواء من معين الوحي ماتروم وأكثر من ملكة فكرية، فالعلم فكر وزيادة.

وتأمل معي بعد انخماد هذا التدافع الفكري عبر وسائل التواصل، هل ستكون حاجة الأمة لعلماء أم مفكرين؟

هذه صرخة نذير قبل أن تبكي على نفسك غدا إذا وصل رفاقك للإفتاء ووراثة النبوة وأنت في مكانك فتعض أصابع الندم: كنت مشروع عالم.

اللهم إنا نسألك العزيمة على الرشد ..

                                                                             

 



([1]) صحيح  البخاري 1/27

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *