طالب العلم والعجلة...!
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

 

     يقول الله تبارك وتعالى عن الإنسان (وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا)  [سورة الإسراء:11]، وهذه الجبلة للإنسان ذكرها القرآن؛ بيانا لحقيقة في الإنسان لا مدحا لها.

     وعلى مر الأعصار والدهور لم ينفك الإنسان عن هذه العجلة، وكانت سبب خسارته، فلولا العجلة؛ لم يؤثر إنسان الدنيا على الآخرة، ولكنها العجلة تعمي الإنسان وتؤدي به من حيث يظن أنها تنجيه، ومع عصر السرعة ازداد الإنسان عجلة، وأصبحت السرعة طابعا عاما للناس، ولما كان الإنسان ابن مجتمعه ووليد ثقافته، فقد امتدت إلى طلاب العلم أيضا.

إن من أسباب انقطاع الكثيرين من طلاب العلم عن الوصول للغاية هي العجلة، فبعض طلبة العلم يأتي للعلم عجلا لايفرق بين العلم وثقله وبين الوجبات السريعة.

هذه العجلة امتدت إلى فئام كثيرة من طلبة العلم، وقل أن ينجو منها أحد، ولكنها لم تضر بآحاد طلبة العلم بل أضرت بالعلم، فرأينا تصدر الأحداث والعجلة في التأليف إلى غيرها من المظاهر التي لم تعد خافيا على أحد، وحذر منها أهل العلم مرارا وتكرارا.

     وغير بعيد من الواقع إذ قلنا أنه لم ينج طالب علم من هذه البلية إلا من وفقه الله لشيخ ناصح يربيه على التؤدة وعدم العجلة ويهذب هذه العجلة؛ لتكون مسارعة إلى الخيرات.

يقول سفيان: "من ترأس سريعا، أضر بكثير من العلم، ومن لم يترأس، طلب وطلب حتى بلغ".([1]) ونحن نقول: بل أضر بنفسه وأزرى بها في المهاوي.

الحقيقة أنه لايكفي تحذير طلبة العلم من العجلة فقط، بل تنبيه المربين والمشايخ إلى تربية من تحتهم من الطلبة على التريث وعدم العجلة، وتلميذك أيها الشيخ ابنك في العلم، وكما تحب لابن صلبك؛ فأحب ذلك لابنك في العلم، وكم من تلميذ في العلم أبر وأعظم بركة من ابن الصلب.

أما طالب العلم المتعجل لخطف الثمرة فنقول له: حنانيك ياطالب العلم   {لا تحرك به لسانك لتعجل به  } [سورة القيامة:16]. هذا توجيه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وما كان الله ليختار لنبيه إلا الأفضل.

تأمل يا طالب العلم في سير الأئمة كم قطعوا من السنين في طلب العلم، لا ننكر أن منهم فئاما وصلوا مبكرا واجتازوا العلم في سني قليلة لكن الاجتياز والنبوغ المبكر لهؤلاء لم يكن بالفوضى التي نشهدها اليوم، نعم إن كنت نابغة، فتعجل، لكن لا تتصدر قبل أن يجيزك أهل العلم.

إننا لانتكلم عن ذوي القدرات الفائقة فهؤلاء نسبهم قليلة، ولكننا نتكلم عن ذوي القدرات المتوسطة وهؤلاء هم الفئة العامة في كل مجتمع علمي.

إننا نتكلم عن طلبة علم مبتدئين يريدون القفز سريعا، واطواء المراحل في مرحلة متجاهلين الفطرة البشرية ومحملين أنفسهم ما لاتطيقه و(المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى)([2]).

هناك حد أدنى من الزمن يتراوح مابين الأربع سنوات والست سنوات للطالب المتوسط في قدراته العقلية؛ ليكون طالب علم متوسط، وحتى هذه المدة الزمنية تختلف من شخص لآخر فبعض طلاب العلم إجازته من العلم طويلة، وبعضهم يستثمر الإجازة في العلم، فحساب الأعوام تختلف من طالب لآخر باختلاف الهمة.

ونحن لا ننكر أثر الظروف وإنما نشفق على طالب العلم أن ينقطع لتحيمله نفسه مالاتطيقه، وليتذكر طالب العلم أن عمرا رضي الله عنه أمضى في تعلم البقرة وحدها اثنتي عشرة سنة ([3])، فهل يعقل بعد هذا أن يروم تعلم العلم الشرعي في أربع سنين ؟!

لانشك قطعا في صدق نية هؤلاء وإرادتهم وجه الله بهذا العلم فنقول لهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة (زادكم الله حرصا ولا تعد)([4]).

ولا يلزم من الحرص أن تكون عجولا يا طالب العلم، فالقاعدة عند الفقهاء أن من استعجل بالشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه، وهذا مانراه ونشاهد ممن يحمل نفسه فوق طاقته بغية الوصول لمراتب التحقيق العلمي، فما يلبث أن ينقطع ويرجع القهقرى ويترك العلم.

إن مراعاة الوسطية في العلم يضمن للطالب الاستمرار والثبات وذلك سر الوصول، فأن تذاكر يوميا مسألة وتداوم عليها خير من أن تدرس ألف مسألة في يوم ثم تنقطع.

واعلم أن طول الصحبة مع العلم تكسبك فوائد لا تعد ولا تحصى، وكلما طالت صحبتك كلما صقلت ملكاتك ، ولاتعجل فأنت قد اخترت طريق العلم، فانذر حياتك له وكلما طال عكوفك على العلم، كان خروجك على الناس كنت أرسخ علما وأثبت.

 

 

اعداد مركز التبيان للاستشارات

10 / 7 / 1437هـ


([1]) الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه (60)

([2]) السنن الكبرى للبهقي ح(4743)

([3]) شعب الإيمان ح(1805)

([4]) البخاري ح(783)، أبو داود ح(683)، النسائي ح (871)

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *