اللهم يسِّر لي جليسًا صالحًا
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

 

اللهم يسِّر لي جليسًا صالحًا .. كانت هذا هو دعاء علقمة –رحمه الله-، يروي عن نفسه فيقول: قدمت الشام فصليتُ ركعتين، ثم قلتُ: اللهم يسِّر لي جليسًا صالحًا، فأتيتُ قومًا فجلستُ إليهم، فإذا شيخٌ قد جاء حتى جلس إلى جنبي، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء، فقلتُ: إنِّي دعوت الله أن ييسِّر لي جليسًا صالحًا، فيسَّرَك لي، قال: ممن أنت؟ قلتُ: من أهل الكوفة، قال: أوليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين والوساد والمطهرة، وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان، - يعني على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم - أوليس فيكم صاحب سر النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي لا يعلمه أحد غيره.([1]).

 اللهم يسِّر لِي جليسًا صالحًا بهذه الدعوة ابتهل التابعي الجليل علقمة -رحمه الله- حين وصوله الشام ناشدًا العلم الشرعي مذكِّرًا لنا بدعوة نبي الله موسى -عليه السلام- حين توجَّه تلقاء مدين: (عسى ربي أن يهديني سواء السبيل )، وقد أجاب الله سؤلهما.

 تواتر عند أهل العلم ضرورة اتخاذ الجلساء الصالحين ، يتكئ عليهم طالب العلم في رحلة العلم يشدُّون أزره، يقوِّمونه إذا اعوجَّ، ويجبرون كسره، وينصحونه إذا استنصحهم، وإذا ألمَّت به الخطوب كانوا له ذخرًا وأهلاً، فهم شركاؤه في الهدف، ورفاقه في الطريق، كما قال أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه-  "زينةٌ في الرخاء وعدةٌ في البلاء"([2]).

حاجة طالب العلم للجليس الصالح نظير حاجته للكتاب، فهما زاده في رحلة العلم المضنية، فكما لا يمكنه الاستغناء عن الكتاب كذا لا يمكنه الاستغناء عن الصاحب في العلم، والرَّفيق في همِّ الطلب، فلذا ابتهل علقمة -رحمه الله- لربه أن يَهَبَ له جليسًا صالحًا .

إن الصاحب في العلم أمانٌ لطالب العلم، والمؤمن كثيرٌ بإخوانه قليلٌ بنفسه، وهم أهل مذاكرته، قال ابن حزم "سرَّني أهل العلم مرتين من عمري: إحداهما بتعليمي أيام جهلي، والثانية بمذاكرتي أيام علمي"([3]).

 بل إن هذه الصحبة تمتد إلى الدار الآخرة كما يقول ابن القيم -رحمه الله- ناقلاً عن ابن أبي الدنيا :" وإذا تذاكروا ما كان بينهم فتذاكرهم فيما كان يشكل عليهم في الدنيا من مسائل العلم وفهم القرآن والسنة وصحة الأحاديث أولى وأحرى، فإن المذاكرة في الدنيا في ذلك ألذّ من الطعام والشراب والجماع، فتذاكر في الجنة أعظم لذة، وهذه لذة يختص بها أهل العلم، ويتميزون بها على من عداهم"([4]).

       ومنيف الرتب لا تحصل إلا لأهل العزم من الناس -وقليل ما هم- فلذا عزَّ من يجد الصاحب في العلم، فما كل من وافق طباعه طباعك صار أهلا للصحبة في العلم، ولا كل من جاورك في الحلقة أو القاعة تأهَّل ليكون رفيق الطلب .

"لا يصلح للصحبة كلُّ أحد، ولابد أن يتميز المصحوب بصفات وخصال يرغب بسببها في صحبته، وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة، وهي إما دنيوية كالانتفاع بالمال والجاه، أو بمجرد الاستئناس بالمشاهدة والمحاورة، وليس ذلك غرضنا، وأما دينية، وتجتمع فيها أغراض مختلفة، منها الاستفادة بالعلم والعمل، ومنها الاستفادة من المال للاكتفاء به عن تضييع الأوقات في طلب القوت، ومنها الاستعانة في المهمات، فتكون عدة في المصائب وقوة في الأحوال، ومنها انتظار الشفاعة في الآخرة، كما قال بعض السلف: استكثروا من الإخوان، فإن لكل مؤمن شفاعة. فهذه فوائد تستدعى كل فائدة شروطاً لا تحصل إلا بها." ([5]).

فنقِّب في أقرانك، وفتِّش عن رفقة على هذا الطراز الرباني: " يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه"، وإياك أن تقف عند صورة المظهر ، فرُبَّ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه.

طلاب العلم اليوم كثيرون، وجُلُّ هؤلاء طلبهم دعوى، وعند التخرَّج والمفارقة تتميز المعادن، فلا تغتر، وانصب في اختيار الرفيق الصالح، فلذا ابتهل لربك (اللهم يسِّر لي جليسًا صالحًا).

     وإن الشيطان ليُسوِّلُ لبعض طلبة العلم أنهم قرناء في الطلب، بيد أن فريقًا منهم إنما هم قرناء في الطبع، لا في المنهج والطريقة،وانظر إلى مجالسهم تجدها في أمور الدنيا، إن لم تكن في القيل والقال، وما هؤلاء برفقة علم أبدًا، وسرعان ما تنقشع هذه الصداقات عند أول خلاف، فلا تصمد أمام هبوبِ رياح حظوظ النفس وحضور الدنيا من مناصب وقبولٍ عند الناس وغير ذلك.

     يقول ابن عباس: " وقد صارت عامة مؤاخاة الناس في زماننا على الدنيا" .

وخذها من ترجمان القرآن وحبر الأمة، فإذا فقهتها منه فاحذر من زيف البدايات، وانتبه لصاحبك، وانتقه كما تُنتقى العروس، ولا تضجر في البحث عن خِلٍّ يصلح لهذا، وإياك والاكتراث بعدد أصحابك، فصاحبٌ واحدٌ صادقٌ خيرٌ من ألفٍ ليسوا سوى مجرّد أرقام.

      ويتباهى بعض طلاب العلم بعدد من يعرف دون تفريق منه بين المعارف والأصحاب، ومثله يُترك للحياة لتعلِّمه المعنى الحقيقي للصاحب، ومَن هو الجليس الصالح، ومثل هؤلاء يُوصّون بتدبر: (ألهاكم التكاثر).

ولسنا نؤمن بقول الشاعر:

          ذهب الذين يعاش في أكنافهم **وبقيت في خلف كجلد الأجرب

كلا فلازال في الأمة بقية ينهون عن الفساد في الأرض، يتواصون بالحق وبالصب،ر وإنما هذه الأمة كالغيث لا يعلم أولها خير أم آخرها.

بيد أننا نريد وضع النقاط على الحروف، ومصارحة طلاب العلم كي لا يفجأوا غدًا بأقرانهم، غدًا إذا تغيروا عليهم، فيتنكبوا الطريق لأجل رفيق تغيَّر عليه! ناسيًا أنَّ هذا الصاحب كان وسيلةً ولم يكن غايةً، ومعضلةٌ حين تتحول الوسائل إلى مقاصد.

طلاب العلم في موضوع الصحبة بين غالٍ وجافٍ، وخير الأمور الوسط، فبعضهم لاينطلق في العلم إلا بوجود صاحب، وربما يُغتفر ذلك للمبتدئين، بيد أنه للمتقدمين في طلب العلم لايغتفر، فليس الصاحب في توسط الطريق كابتدائه، بل يُعاب على المتقدّك ألا يفقه أن الصاحب وسيلة للعلم وليس غاية.

إننا حين نتحدث عن الصحبة في العلم فلا نعني بكل حال أن توقف برنامجك العلمي انتظارًا لصاحب قد يأتي وقد لا يأتي، بل انطلق وادع الله، فإن كنت صادقًا يسَّر الله لك الصاحب من حيث لا تشعر.

ومن النصح لطلاب العلم أن نقول لهم: إذا ظفرت بالجليس الصالح فتعلَّم آداب الصحبة، وكن له مثل موسى -عليه السلام- كما كان للخضر، وتحلَّ بآداب الأخوة في الله، وتعلَّم من الأنصار كيف تكون لصاحبك أنصاريًا، ليغدو لك مهاجريًا، فتمتد بركة مؤاخاتكم نفعًا للأمة، وانظر يا طالب العلم لبركة بعض الأصحاب، فبين ناظريك مشاريع علمية نوعية كانت بذرتها أخوة في الله.

فالله نسأل العون والسداد ، ورفقة الصلحاء الأتقياء .

 

مركز التبيان للاستشارات

الأحد 1437/6/11

 

 

 

 


([1]) البخاري ح(3742)

([2]) الإحياء (2/171)

([3]) الأخلاق والسير (1/23)

([4]) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (404)

([5]) مختصر منهاج القاصدين (99)

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *