طالب العلم .. والمذاكرة
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

ما علاج النسيان؟ .. درستُ مسألة كذا والآن كأنها لم تمرَّ عليَّ، فأرشدوني! .. أنا لا أصلح للعلم فلا أملك ذاكرة العلماء! .. أنا لا أستحضر المسائل ! ...

ستظل هذه الأسئلة إرثًا بين طلاب العلم، لن تجد جيلاً من طلاب العلم إلا وهو يسأل تلك الأسئلة وكأنهم يبحثون عن إكسير النسيان.

هذا السؤال ليس وليد اليوم كما يتخيله بعض طلبة العلم، بل قديم قِدَمَ طلاب العلم، فلقد سُئل الإمام البخاري -رحمه الله-:  هل من دواء للحفظ؟ فقال: لا أعلم شيئا أنفع للحفظ من نهمة الرجل، ومداومة النظر. ([1])

تلك هي الإجابة التي يجب أن يسمعها كلَّ مَن ينشد إكسير النسيان، ويريد أن يبلغ في العلم رتبًا عُليَا: نهمة الرجل، ومداومة النظر، وقد تختلف تعبيراتهم  والمؤدَّى واحد.

يتوهّم بعض طلاب العلم أن هناك ذاكرةً فولاذيةً! هكذا يبدو للمتأمل وهم يطرحون هذا السؤال ليل نهار، جيلاً بعد جيل، لاسيما في عصر السرعة حيث يظنون أن العلم وجبات سريعة يتناولونها في ثواني معدودة.

إن العلمَ ثقيلٌ وعزيزٌ، وشاء الله ألا يضعه إلا عند أولي العزم من البشر، وهكذا كل نفيسٍ في الوجود.

وبلمحةٍ سريعةٍ على واقع طلاب العلم تجده مناقضًا لهذا السؤال، فعهدهم بالمسألة هو ليلة الاختبار إن كانت الدراسة أكاديمية أو بمجلس الشيخ إن كانت الدراسة غير أكاديمية ثم يأتي يشتكي من النسيان!

إنَّ تثبيتَ العلمِ أصعب مِن نَيْله، وهذه حقيقةٌ يجب أن يعيها طالب العلم الذي ينشد أن يكون عالمًا، ولن يتأتَّى تثبيته عند من يرومه للشهادة أو لمنصب أو لجاه، فلا تضحك على نفسك يا طالب العلم، واصدق مع الله، وجدِّد النية.

فالنهمة في الطلب هي الدافع للطالب على تكرار النظر في المسألة، وهي الدواء لمرض الكلل والملل، فبعض طلبة العلم سريعٌ ملولٌ،ومثله لا يصلح للعلم .

وتكرار النظر في المسألة هي المذاكرة، ولها سبل وطرائق، وقد شغف بها السلف أيّما شغف، ولكنها اليوم ضمير غائب عن طلاب العلم، إلا مارحم ربي.

يقول الزهري –رحمه الله- " إنما يُذهب العلمَ النسيانُ، وتركُ المذاكرة" ([2]).

هكذا في كلمتين يبين لنا الإمام -رحمه الله- سرَّ مَن وصل في العلم، وسرَّ مَن انقطع ورجع عاميًّا بعد أن حلّاه الله بالعلم، إنه باختصار: ترك المذاكرة.

وقد عقدوا -رحمهم الله- فصولاً في المذاكرة وأنواعها وطرائقها، فراجع كتب آداب الطلب غير مأمور مأجورًا مشكورًا.

إن بعض طلبة العلم يظن أن المذاكرة تتطلب اجتماعًا ولقاءً فيتهيبها، والأمر أيسر من هذا، فيمكن للجادين أن ينظموا مجالس مذاكرة في مجموعات عن طريق البرامج الالكترونية الحديثة كبرامج التواصل الاجتماعي، فتكفيهم مؤونة المواصلات ، وهيبة اللقاء .

والمذاكرة في بادئ الأمر ثقيلة جدًا على النفس، فعلى المرء أن يحسن توطين نفسه وتربيته عليها فلا يكلف نفسه فوق طاقتها، وعليه أن يحبِّب المذاكرة لنفسه فيكافئ نفسه عند مذاكرته بابًا من العلم.

وليعلم طالب العلم أن الطبع بالتطبع، وأن هذا الثِقَل الذي يجده عند المذاكرة سينقشع بالجد والإصرار، وليجعل وعد الله (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) نصب عينيه .

وذكِّر نفسك إن تثاقلت المذاكرة بأن إحياء العلم بمذاكرته كما قال علقمة ([3]) ولو لم يكن للمذاكرة إلا هذا لكفى، ثم طالع أخبارهم في المذاكرة يخنس شيطانك.

ومن فطنة طالب العلم أن يستثمر هذه التقنية التي منَّ الله علينا فيبحث عن طرائق تقنية في المذاكرة خاصة في ابتداء الطلب حتى تهوى نفسه المذاكرة وتصبح له طبعًا.

وكما أن المريض لايصرف الدواء لنفسه إلا بمراجعة الطبيب فكذلك طالب العلم عليه أن يراجع شيخه في مذاكرته، ويسأله عمَّا يصلح له، فالشيخ بحكم خبرته وأسبقيته يرى ما لايراه الطالب ولو كان الطالب ذكيًا.

واعلم يا طالب العلم أنه لا فرق بين دماغك ودماغ العلماء وإنما الفرق في نهمتهم ونهمتك، فكل هؤلاء العلماء كانوا يومًا مثلك، فامتلكوا العزم الذي أبلغهم هذه المرتبة، فاسأل ربَّك أن يمنحك إياها، ويُرشدك سُبيلها.

 

إعداد مركز التبيان للاستشارات

            4/6/1437                                                                                                                                                                                                                                                                                         

 


([1])  فتح الباري لابن حجر (1/488)

([2]) حلية الأولياء (3/364)

([3]) حلية الأولياء (2/101)

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *