طالب العلم .. والعبادة
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

طالب العلم هو المجموع المركب من العلم والعبادة والدعوة فهذه هي أركان شخصية طالب العلم، لايرسخ قدمه في العلم بدونها، وقد يغلّب شيء على شيء لكن لابد من وجودها.

ومرام طالب العلم ومبتغاه من العلم إنما هو وراثة ميراث النبوة، فالأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورَّثوا العلم.

والعلم الذي هو ميراث النبوة ليس مسائل تحفظ ولا أبحاث يُكاثر بها ولا مناصب يفاخر بها، بل هو العلم المورث للخشية كما يقول السلف [1](إنما يخشى الله من عباده العلماء) هو علم وعبادة ودعوة.

لقد كان من أوائل ما أنزل على مورِّث العلم عليه الصلاة والسلام (قم الليل إلا قليلا )، وكان من أواخر ما أنزل عليه (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا)، إنه الأمر بالعبادة في أول الرسالة وانتهائها، ولا غرو .. فهي الغاية من الخلق (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) .

وتحت راية القرآن وفي ظلال هديه نجد الوشيجة القوية والآصرة المتينة بين العبادة والعلم، فقال سبحانه عن أنبيائه (أولي الأيدي والأبصار)،فاقرأ غير مأمور تفسير هذه الآية؛ لتدرك عظم هذه المنقبة التي امتدح الله بها صفوته من خلقه.

وفي سورة الأنبياء حيث حديث الله عن صفوة الخلق نجد العبادة موضوعا للسورة ، فحري بطالب العلم الناشد لميراث الأنبياء أن يتدبر هذه السورة ويقف عند قوله تعالى (وكانوا لنا عابدين).

(وكانوا لنا عابدين) جاءت في سياق الحديث عن أنبياء الله في سورة الأنبياء فحدثنا القرآن عن عبادتهم كما يحدثنا عن أخلاقهم، كما يحدثنا عن دعوتهم بيانا لأهمية التكامل بين العلم والدعوة والعمل وتربية على منهاجهم لمن يريد ميراثهم.

(وكانوا لنا عابدين ) نعم كانوا أنبياء وحسبك بالنبوة شغلا لكنها لم تكن لتشغلهم عن العبادة؛لأن"المعونة تنزل علىا لعبد على حسب قيامه بالمأمور به ، وأن الموافق لأمر الله، يعان ما لا يعان غيره لقوله: { لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } والإشارة إلى السفر المجاوز ، لمجمع البحرين، وأما الأول، فلم يشتك منه التعب"([2]).

ونبقى في ظلال (وكانوا لنا عابدين) فهي مسبار لزيف دعوى يلبس بها الشيطان على كثير من طلاب العلم أن العلم مشغل عن العبادة وهل العلم أشغل أم النبوة؟ ولكنه تلبيس الشيطان كما لبس على الصوفية فأشغلهم بالعبادة عن العلم وكلا هذا الزيع إلى أحد الطرفين جنف عن الحنيفية التي أتى بها صلى الله عليه وسلم في التكامل بين العلم والعمل والعبادة.

ومن النصح الذي يجب أن نقوله لطلاب العلم وقد يكون مرا عند بعضهم أن طالب العلم "يحتاج في أول طلبه العلم أن يمزجه بالتعبد، إذ أنه ليس ثم عمر طويل في الغالب في هذا الزمان حتى يترك له برهة منه فيخشى عليه أن يموت، وهو في السبب قبل وصوله للمقصود، وقد قال عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه - : " تعلموا ما شئتم أن تتعلموا فلن يأجركم الله عليه حتى تعملوا؛ولأن العلم كالشجرة، والتعبد كالثمرة، فإذاكانت الشجرة لاثمر لها فليس لها فائدة كلية، وإن كانت حسنة المنظر ناعمة، وقد ينتفع بها للظل وغيره، ولكن الذي عليه المعول قد عدم منها، وقال أيضاً : " تكلموا بالحق تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله " . ([3])

   وقد تجد عند بعض طلاب العلم برودا قاتلا في تقصيرهم الواضح في العبادة فإذا نوصح استدل على تقصيره هذا بالأخبار التي وردت عن الأئمة في تفضيل العلم على العبادة كمثل هذا الخبر عن الإمام مالك " قال ابن وهب: كنت عند مالك بن أنس فجاءت صلاة الظهر أو العصر وأنا أقرأ عليه وأنظرفي العلم بين يديه ، فجمعت كتبي وقمت لأركع ، فقال لي مالك: «ماهذا؟» قلت: أقوم للصلاة قال: «إن هذا لعجب فما الذي قمت إليه بأفضل من الذي كنت فيه إذا صحت النية فيه» ([4]) ، وإنا لنجلّ الأئمة رضوان الله عليهم عن هذا الفهم الخاطئ الذي قد يفهمه بعض طلاب العلم فتراهم اتخذوا العلم مهنة تاركين العبادة بحجة الانشغال بالعلم، ولو كلفوا أنفسهم بقراءة تراجم هؤلاء الأئمة، لبان لهم خطأهم في فهم كلام هؤلاء الأئمة، وهل يظن بمالك إمام دار الهجرة أن يأمر طالب العلم بالاكتفاء بفروض الطاعات دون نوافل الطاعات؟ كلا وإنما مراده رحمه الله حين تأتي العبادة في وقت الطلب وتكون العبادة مما يمكن تداركها ومجلس العلم لايمكن تداركه لاسيما وأن زمانهم لم يكن فيه أجهزة تسجيل للدروس فهنا محل كلامهم رحمهم الله.

وربما يعترض قارئ فيقول: مابال حديثكم عن العبادة وتخصص مركزكم في قضايا المنهجية العلمية والتأصيل العلمي فما لكم الآن انقلبتم وعاظا؟

فنقول له : مهلا إننا لانعنى بالمنهجية العلمية الفصام النكد بين العلم والعبادة بل نعني بها طلب العلم وفق منهج السلف الذي جاء في حديث أبي عبدالرحمن السلمي " «حدثنا الذين كانوا يقرؤننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلموا عشرآيات، لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا»([5]) ، وسبقه شيخه الصحابي ابن مسعود في ذكر المنهجية العلمية عند السلف بقوله رضي الله عنه " «كان الرجل منا إذا تعلم عشرآيات، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن»([6])، فهذه هي المنهجية التي نريدها وندعو إليها.

فياطالب العلم : العبادة هي مؤنتك في العلم وقد قال أهل العلم على قدر المؤونة تكون المعونة فاستكثر من المؤونة يكثر الله لك في معونته لك ..

جعلنا الله وإياكم من أولي الأيدي والأبصار أهل العلم والعبادة.

إعداد مركز التبيان للاستشارات



[1]ينظر تفسير ابن كثير (6/545).

([2])تيسير الكريم الرحمن للسعدي (482)

([3])المدخل  لابن الحاج (2/134)

([4])جامع بيان العلم وفضله (1/122)

([5])رواه الطبري في تفسيره (1/74)

([6])رواه الطبري في تفسيره (1/74)

 

التعليقات :
أحمد بن علي البتيت 2016-02-22 21:53:11

بارك الله فيكم .. مقال جميل, وفقنا الله لخير العلم والعمل ..
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *