التخصص العلمي بين الإفراط والتفريط ...!
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

مفهوم (التخصص) مع كثرة تداوله واستعماله في الأوساط العلمية لا يزال يكتنفه الغموض، ويفتقد إلى معيار محدد، ودلالة منضبطة([1])، وأحسب أنه لابد قبل بيان منهج التوازن في موضوع التخصص العلمي من التأكيد على حقيقتين مسلَّمتين:

الأولى: أن علوم الشريعة بحر لا ساحل له، ومهما بلغ اجتهاد المرء في تحصيل العلم وكسبه فلن يستطيع إدراكه وجمعه، فالعلم كثير والعمر قصير، لذا كان على اللبيب أن يعتني بالأهم فالمهم، قال سلمان لحذيفة - رضي الله عنهما -: «يا أخا بني عبس، إن العلم كثير، والعمر قصير، فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك، ودع ما سواه فلا تعانِه»([2]). وقال ابن الجوزي: «اعلم أنه لو اتسع العمر؛ لم أمنع من الإيغال في كل علم إلى منتهاه، غير أن العمر قصير والعلم كثير»([3]).

الثانية: أن علوم الشريعة بعضُها آخذٌ بحُجَز بعض، فهي شديدة التداخل والتشابك؛ لأنها جميعًا نابعة من مشكاة الوحي كتابًا وسنةً، قال ابن حزم - بعد كلام له طويل في بيان مفاسد الاقتصار على علم والتزهيد في غيره -: «العلوم كلها متعلقٌ بعضها ببعض كما بيَّنا قبلُ، محتاجٌ بعضها إلى بعض»([4]).

وإذا تأملت المسائل الضعيفة أو الشاذة في كل علم ستجد أنها إنما نشأت من الدخلاء على هذه العلوم، الذين جرهم تمكنهم في علمٍ ما إلى الكلام في غيره، حتى قال الحافظ ابن حجر في شأن الإمام الكرماني عندما أغرب القول في مسألة من علوم الحديث ولم يكن من أهله: «إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب»([5]).

وقد أصاب الإمام ابن حزم كَبِدَ الحقيقة حين قال: «لا آفةَ على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدِّرون أنهم يُصلحون»([6]).

وبين هاتين الحقيقتين: حقيقة تشعب العلوم وكثرتها وعدم القدرة على الإحاطة بها، وحقيقة أن علوم الشريعة كلها كالحلقة الواحدة لا يمكن فصل بعضها عن بعض تبرز إشكالية التخصص، وكيف يجمع طالب العلم بين الاختصاص بفنٍّ معين يغوص في دقائقه ويطلع على حقائقه ويتبحر في مسائله، وبين حاجة هذا العلم المختص به إلى غيره من العلوم التي يتداخل معها أو ينبني عليها أو يتفرع منها؟

وجواب ذلك: أن العلوم تتفاوت مراتبها من حيث إدراك الطالب لها بين مقتصر على أصولها الكلية، ومبادئها الإجمالية، وقواعدها الأساسية، وبين مطلع على جزئياتها وتفاصيلها ومشكلاتها، وبين هذين المرتبتين مراتب كثيرة متفاوتة.

ولا مناص لمن رام التخصص في فن أن يحصل مبادئ جميع العلوم، فيحيط بأصولها ومهماتها، ويدرك أهم مسائلها دون تبحر أو استقصاء، ثم إذا رأى من نفسه الميل إلى أحد العلوم أكب عليه قراءة وتحصيلًا وبحثًا، فحري بمثل هذا أن يبدع في فنه ويبرز في تخصصه لا سيما وقد ضرب في جميع الفنون بسهم في الإحاطة بمادئها.

فيقبح مثلًا بمن أراد التخصص في علم الحديث رواية أو دراية ألا يكون له حظ من دراسة مبادئ علوم العربية كالنحو والصرف والبلاغة واللغة وغيرها من علوم الشريعة، ويقبح بمن أراد التخصص في الفقه مثلا ألا يكون له حظ من مبادئ علم أصول الفقه وأصول الحديث، وهكذا، ولا أضر على التخصص وأهله ممن لا نصيب له من العلم بغيره.

فمفتاح الإبداع والابتكار في التخصص الإحاطة بغيره من علوم الشريعة المتصل بعضها ببعض، وكلما كان العلم أشد قربًا وأكثر امتزاجًا وتداخلًا بفنه وتخصصه كان أشد حاجة إلى النظر فيه والتمكن منه.

رزقنا الله وإياكم البصيرة في العلم، والفقه في الدين.

 



([1]) انظر: «طالب العلم والتخصص» لمشاري الشثري                                                          

http://www.albayan.co.uk/mobile/MGZarticle2.aspx?ID=4052

([2]) «حلية الأولياء» (1/ 189).

([3]) «صيد الخاطر» (ص: 442).

([4]) «مراتب العلوم» (ضمن رسائل ابن حزم 4/ 90).

([5]) فتح الباري لابن حجر (3/ 584).

([6]) مداواة النفوس (رسائل ابن حزم 1/ 345).

 

إعداد مركز التبيان للاستشارات 

28 ربيع الثاني 1437هـ

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *