طالب العلم وإصلاح القلب ...
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

طالب العلم وإصلاح القلب

إصلاح القلب وتطهيره من أدرانه وتصفيته من أهم ما يجب على طالب العلم العناية به؛ لأن القلب هو وعاء العلم ومحله، فإذا فسد الوعاء فسد ما حلَّ فيه، ولم ينتفع به.

إن ظاهرة قسوة القلب التي يعاني منها كثير من طلاب العلم نتيجة التشاغل بالمسائل الجامدة، والخلافات الدقيقة، والجدليات العميقة، وإهمال الاشتغال بمرققات القلب التي تزيد إيمانه وتزكيته تحتاج إلى طول نظر وتأمل ووقفة جادة.

وهذه الحالة ليست حادثة اليوم أو وليدة الساعة، بل هي قديمة وجدت بعض آثارها عند علمائنا الأوائل، لكنها بلا شك تزايدت في زماننا تبعًا لكثرة الملهيات، وغلبة الماديات.

قال بشر بن الحارث: «حدثنا حماد بن زيد، ثم قال: أستغفر الله، إن لذكر الإسناد في القلب خيلاءً»([1]).

وعن محمد بن عبادة المعافري، قال: كنا عند أبي شريح - رحمه الله - فكثرت المسائل، فقال: «قد درنت قلوبكم، فقوموا إلى خالد بن حميد المهري، استقلوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب والرقائق، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل، فإنها - في غير ما نزل - تقسي القلب، وتورث العداوة».

قال الإمام الذهبي معلقًا: «صدق – والله -، فما الظن إذا كانت مسائلَ الأصول، ولوازم الكلام في معارضة النص؟! فكيف إذا كانت من تشكيكات المنطق، وقواعد الحكمة، ودين الأوائل؟! فكيف إذا كانت من حقائق الاتحادية، وزندقة السبعينية، ومرق الباطنية؟! فواغربتاه، ويا قلة ناصراه، آمنت بالله، ولا قوة إلا بالله»([2]).

وها هو ابن الجوزي – رحمه الله – يشكو هذه الحالة مشخصًا أسبابها، واصفًا أعراضها، قائلًا: «تأملت العلم والميل إليه، والتشاغل به؛ فإذا هو يقوي القلب قوة تميل به إلى نوع قساوة، ولولا قوة القلب، وطول الأمل، لم يقع التشاغل به، فإني أكتب الحديث أرجو أن أرويه، وأبتدئ بالتصنيف أرجو أن أتمه، فإذا تأملت باب المعاملات، قلَّ الأمل، ورق القلب، وجاءت الدموع، وطابت المناجاة، وغشيت السكينة، وصرت كأني في مقام المراقبة. إلا أن العلم أفضل، وأقوى حجة، وأعلى رتبة، وإن حدث منه ما شكوت منه، والمعاملة وإن كثرت الفوائد التي أشرت إليها منها، فإنها قريبة إلى أحوال الجبان الكسلان، الذي قد اقتنع بصلاح نفسه عن هداية غيره، وانفرد بعزلته عن اجتذاب الخلق إلى ربهم. فالصواب العكوف على العلم، مع تلذيع النفس بأسباب المرفقات تلذيعًا لا يقدح في كمال التشاغل بالعلم»([3]).

ثم قدم الدواء النافع والعلاج الناجع، فقال: «عليك بالعزلة، والذكر، والنظر في العلم، فإن العزلة حمية، والفكر والعلم أدوية، والدواء مع التخليط لا ينفع، وقد تمكنت منك أخلاط المخالطة للخلق والتخليط في الأفعال، فليس لك دواء إلا ما وصفت لك، فأما إذا خالطت الخلق، وتعرضت للشهوات، ثم رمت صلاح القلب، رمت الممتنع»([4]).

فينبغي على طالب العلم ألا ينسى حظ قلبه من التزكية والعبادة، وأن يكون دائم المراقبة والنظر لحال قلبه والعناية به، فصلاح القلب له أثر كبير على الانتفاع بالعلم والنظر فيه، ومن عجائب كلمات شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – التي تحتاج إلى طول تأمل ونظر قوله: «من جوَّز لمجتهد أو مقلد الترجيحَ بمجرد اختياره وإرادته فهو نظير من شرع للسالك الترجيح بمجرد إرادته وذوقه، لكن قد يقال: القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بإرادته فهو ترجيح شرعي»([5]). ثم شرح هذا المعنى في موضع آخر بقوله: «فمتى ما وقع عنده وحصل في قلبه ما يظن معه أن هذا الأمر أو هذا الكلام أرضى لله ورسوله كان هذا ترجيحًا بدليل شرعي، والذين أنكروا كون الإلهام ليس طريقًا إلى الحقائق مطلقًا أخطؤوا، فإذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة، فإلهام مثل هذا دليل في حقه، وهو أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف وأصول الفقه. وقد قال عمر بن الخطاب: اقربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون؛ فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة»([6]).

نسأل الله أن يصلح قلوبنا، وأن يطهر سرائرنا، إنه جواد كريم.



([1]) سير أعلام النبلاء (7/ 461).

([2]) سير أعلام النبلاء (7/ 182-183).

([3]) صيد الخاطر (ص: 160).

([4]) صيد الخاطر (ص: 54).

([5]) مجموع الفتاوى (10/ 472).

([6]) مجموع الفتاوى (20/ 42).

 

اعداد مركز التبيان 22 ربيع الثاني 1437هـ

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *