الدروس الصوتية .. هل هي بديل عن الشيوخ؟
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

     مما لا شك فيه أن استخدام وسائل التقنية والاتصالات الحديثة في تيسير العلم لطالبيه وتقريبه لمبتغيه فيه خير كثير ونفع عميم، وإن ما نشاهده اليوم من انتشار المواقع الإلكترونية، والدروس الصوتية على الشبكة العنكبوتية لهو مما يثلج الصدر ويشرح القلب.

     لكن مما يؤسف له أن يركن كثير من طلاب العلم إلى هذه الوسائل الجامدة والاقتصار عليها في التعلم، وهجران مجالس العلماء وحلق العلم، بل صرنا نرى من يضع المناهج العلمية، ثم يشفع ذلك بنصح المتعلم إلى سماع شرح هذه المتون من خلال الدروس الصوتية المسجلة، وبئست النصيحة!!

     هل يغني سماع هذه الدروس الصوتية عن التلقي عن المشايخ ومشافهة العلماء والقراءة عليهم وملازمتهم؟

     والجواب: أن الاعتماد على هذه الدروس الصوتية في تلقي العلم، وجعلها بديلًا عن الشيوخ والأخذ عنهم خطأ كبير، وتنشأ عنه أضرار عظيمة بدأنا نعاني من آثارها، ونلمس بعض سوآتها، وبيان ذلك من وجوه:

1-  أن هذا يناقض ما أجمع عليه العلماء وتتابع عليه السلف والخلف من نقل العلم مشافهة بالتلقي جيلًا بعد جيل، وأن خصيصة هذه الأمة في اتصال إسنادها بنقل علومها وكتبها([1])، وعلى هذا كان السلف الصالح، قال الإمام الشاطبي: «فأول ذلك ملازمة الصحابة - رضي الله عنهم - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذهم بأقواله وأفعاله، واعتمادهم على ما يرد منه، كائنًا ما كان، وعلى أي وجه صدر ... وصار مثل ذلك أصلًا لمن بعدهم؛ فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى فقهوا، ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية، وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالمـًا اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة، واشتهر في قرنه بمثل ذلك»([2]).

2-  أن فائدة التلقي عن العلماء لا تقتصر فقط على مجرد فهم مشكلات العلم، ودقيق مسائله، بل هناك ثمرة أعظم وهي التأدب بأدبهم، والاقتداء بهديهم، والتأسي بسمتهم وأخلاقهم، وكان هذا دأبَ السلف والعلماء، فقد «كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء على خمسة آلاف، أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون، والباقي يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السمت»([3]). وهو ما لا يجده من اقتصر على سماع الدروس الصوتية المسجلة، واكتفى بأخذ العلم من الجمادات التي لا تهذب خلقًا ولا تُكسب أدبًا.

3-  أن المقتصر على سماع الدروس الصوتية لا يأمن من زلل الفهم، وخطل الرأي، فقد يفهم ما ليس مرادًا، بل قد يفهم عكس المراد، وقد تتولد في نفسه إشكالات وشبهات لا يجد من يشفيه منها، ويجيبه عنها، ولا دواء لذلك سوى ملازمة العلماء وسؤالهم.

4-  أن عادة الله الجارية في خلقه «أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه، ويكثر التعب في تحصيله»([4])، وكما قال يحيى بن أبي كثير - رحمه الله -: «لا يستطاع العلم براحة الجسم»([5]). ومما لا شك فيه أن لا يمكن أن يستوي في تحصيل العلم والتمكن فيه من يسمع دروس العلم مستلقيًا متنعمًا، ومن يكابد المشاق في الرحلة إلى العلماء، وحضور مجالس العلم.

5-  ما ذكره الشاطبي - رحمه الله - من فائدة مشافهة العلماء والتلقي المباشر عنهم، وأنها أنفع الطرق الموصلة إلى تحقيق العلم، بقوله: «خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم، يشهدها كل من زاول العلم والعلماء؛ فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها، فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة، وحصل له العلم بها بالحضرة, وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادي من قرائن أحوال، وإيضاح موضع إشكال لم يخطر للمتعلم ببال، وقد يحصل بأمر غير معتاد، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم، ظاهر الفقر بادي الحاجة إلى ما يلقى إليه»([6]). وهو أمر مشاهد مجرَّب لا ينكر، ومن ذاق عرف.

     ومع كل ما سبق فإن هذا لا يعني عدم الاستفادة من سماع هذه الدروس الصوتية المسجلة، وتظهر فائدتها في أحوال كثيرة، ومنها:

1-   من كان في بلد خالٍ من العلماء، ولا يستطيع الرحلة إليهم.

2-   من يقرن بين الحضور عند المشايخ وبين القراءة عليهم، ويشتغل وقت فراغه بسماع دروسهم.

3-   سماع دروس علماء غير بلده الذين لا يمكن الرحلة إليهم.

4-   سماع ما فاتك من دروس العلم لعارض عند عالم تواظب على حضور دروسه، فتعوض ذلك بسماعه مسجلًا.

5-   الاستماع إلى دروس من مات من العلماء الذين لم تستطع إدراك حياتهم واللحاق بهم.

     نسأل الله تعالى أن يمن علينا وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح.

 

 

إعداد/ مركز التبيان للاستشارات

الخامس عشر من ربيع الثاني1437 هجرية

 

 


([1]) راجع مقال «أهمية تلقي العلم عن المشايخ»، وهذا رابطه: http://www.altebiyan.com/news.php?id=123

([2]) الموافقات (1/ 142-144).

([3]) الآداب الشرعية والمنح المرعية (2/ 12).

([4]) صيد الخاطر (ص: 281).

([5]) أخرجه مسلم (ح612).

([6]) الموافقات (1/ 145).

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *