فقه المذاهب أم فقه الدليل؟
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

      الدعوة إلى التفقه من كتب أدلة الأحكام فقط؛ زعمًا أنها تستقل بصناعة فقيه، وتزهيد الناشئة في دراسة كتب المذاهب الفقهية؛ فرارًا من التقليد تستلزم بالضرورة أن هؤلاء الأئمة الأربعة المشهود لهم بالإمامة في الدين، والفقه في الشريعة تنكبوا الدليل، واتبعوا أهواءهم وشهواتهم، وهذا اللازم  كافٍ في فساد هذه الدعوة ونبذها واطِّراحها.

     وإن كان التقليد والتعصب بدعتين مذمومتين شرعًا وعقلًا، فلا جَرَم أن فتح باب التفقه من الدليل على مصراعيه للناشئة أشد بدعة، وأعظم خطرًا.

     كيف يمكن لطالب مبتدئ أن يدخل بيت الفقه من باب النظر في الأقوال الفقهية والأدلة، والموازنة بينها؟! أيستطيع والحالة هذه أن يجزم بأن ترجيحه – إن فرض تسميته كذلك – مبنيٌّ على أصول راسخةٍ وقواعدَ متينة يستطيع من خلالها دفع الاعتراضات ورد الإيرادات؟! الحقيقة أنه مقلِّدٌ في صورة مجتهد، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، وشتان بين من يقلد إمامًا ويتفقَّه على مذهبه ويتخذه وسيلةً لتكوين ملكة الاستنباط والنظر والاجتهاد، وبين من يدَّعي أنه متبعٌ للدليل وهو والغٌ في التقليد الأعمى حتى الثمالة.

     إن هؤلاء المدعين لاتباع الدليل، النابذين منهج أسلافهم في التفقه فرُّوا من شيء فوقعوا في شرٍّ منه، أرادوا أن يفروا من التقليد المذهبي، فوقعوا في الاجتهاد العبثي الصبياني الذي نتج عنه قلة مبالاة الصغار بفقه هؤلاء الأئمة وتراثهم وجهودهم عبر هذه القرون المتطاولة، وجرأتهم على اقتحام بابٍ كان يتهيب من ولوجه الكبار، ثم يكتفي بقوله بعد نظر ساعةٍ - عند الترجيح -: «الراجح هو القول ...؛ لقوة أدلته، وظهورها، وضعف أدلة القول ...»!!!

     إن هؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم إنما بلغوا رتبة الاجتهاد المطلق، وتبوأوا الإمامة في الدين، وصاروا أئمة متبوعين، وجعل الله لهم لسان صدق في الآخرين؛ لأنهم استكملوا أدوات الاجتهاد، واجتمعت فيهم آلات الاستنباط، وبنَوا ترجيحاتهم واختياراتهم على أصول مكينة، وقواعدَ متينة، وفهمٍ ثاقب، ونظرٍ صائب، سارت على نسق مطِّرد، ومنهج متسق، ثم منحهم أصحابًا دونوا مذاهبهم، وخرَّجوا على أصولهم، واجتمعت الأمة على اتخاذ فقههم وسيلة للفقه في الدين، والفهم عن رب العالمين.

    ومن المعلوم بداهة أن المبتدئ في دراسة الفقه، السالك طريق التفقه لا ينفك في بداية طلبه للفقه عن التقليد، وهو ضرورةٌ لافتقاده آلات الترجيح والموازنة بين الأقوال، فضلًا عن آلات النظر والاستنباط، وهو لا يخلو من حالين: إما أن يقلد إمامًا متبوعًا، قام فقهه على أصول كلية مطردة، ودونت فروعه على وفق هذه الأصول، معتمدًا على منهج واضح. وإما أن يقلد شيخه الذي – غالبًا – ما يعتمد في ترجيحه على الانتقائية التي تفتقد إلى أصول متسقة في الاستنباط والاجتهاد.

     هذه ليست دعوةً إلى التقليد، بل هي دعوة إلى بناء الملكة الفقهية على أصول راسخة، وحماية نصوص الشريعة من عبث الجاهلين، واقتفاء آثار العلماء السابقين في منهج التفقه في الدين.

     المنهج الذي رأيته نافعًا، وجربته، ولمست آثاره، أن يلتزم طالب التفقه بدراسة مذهب فقهيٍّ شائعٍ في بلده، من خلال المتون المعتمدة للتدريس عند علماء هذا البلد، يضبط أولًا تصوير المسائل، ومعرفة الحكم المعتمد في كل مسألة، ثم يترقى إلى معرفة دليل المذهب ووجه دلالته، وطريق استنباطه، ثم يترقى إلى معرفة الخلاف داخل المذهب، ودليلِ كلٍّ، ووجهِ دلالته، والمعتمد فيه، ثم يكون آخر أمره النظر في الخلاف العالي بين المذاهب، بعد أن يكون قد استصحب خلال رحلته للتفقه علوم الآلة التي تؤهله للنظر والموازنة والترجيح.

...    ...   ...   ...   ...

إعداد / مركز التبيان للاستشارات

السابع من ربيع الآخر 1437 هجرية

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *