منهجية ضبط العلم
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه، نبينا محمد وآله ومن والاه، وبعد:

ترتسم الآن في مخيلتي صورة طالبِ علمٍ يحمل كتابًا في يده، يقلب صفحاته، يقرأ منه صفحات، ثم سرعان ما يداعبه النعاس، ويهجم عليه التثاؤب، فيهجره إلى غيره، وصورة طالبٍ آخرَ يحضر درسًا لأحد العلماء، وتتَّقِد نفسه حماسةً حرصًا على حضوره، ثم إذا طال به الزمان فترت همته، وخَبَتْ جَذْوةُ عزيمته، فتقاعد عن المواظبة، وآخر يمسك بيده متنًا وهو يمنِّي نفسه بحفظه في أشهر معدودة، ويضع خطة زمنية لذلك، ثم يتسرب إليه الملل، ويُقعده عن المداومة الدَّعةُ والكسل، وتمضي السنون، ولا يزال المتن قابعًا في زاوية من مكتبته، ولا تزال الكتب تزين رفوفَها، تبدو عليها آثار الجِدَّة كأنه حِيزَ في يومه، ولا زال منهجه العلمي المرسوم على أوراقه وفي دفاتره لم يتحقق منه شيءٌ إلا لمامًا، ومع هذا كله يتحلَّى باسم (طالب العلم)، ويعدُّ نفسَه في صفوف حامليه وناشريه، والحال أنه لا يستطيع أن يُحكِم الكلام في مسألةٍ تأصيلًا واستدلالًا وتحريرًا.

كتب كثيرون تحليلاتٍ لهذه الظاهرة، رصدوا فيها الأسباب، ووضعوا لها بعض الحلول، وأحاول هنا أن أتجاوز ذلك كلَّه؛ لأعرض منهجًا مقترحًا لضبط العلم والتمكُّن فيه، يمكن اختصاره فيما يلي:

1- الضبط التأسيسي: وأعني به منهجية التأسيس في كل علمٍ بتحصيل أهم قواعده، وضبطها، وحفظها، ويتحقق ذلك بحفظ مختصر في كل فنٍّ، وقراءته على شيخٍ متقِن، وتصور مسائله تصورًا صحيحًا، كثلاثة الأصول في العقيدة، وعمدة ابن قدامة في الفقه، والآجرومية في النحو، والورقات في أصول الفقه ... إلخ([1]).

2- الضبط التأصيلي: وأعني به إتباعَ التأسيس بالتأصيل، بمعرفة الأدلة على هذه المسائل، وإدراك وجه دلالتها على مدلولاتها، ومعرفة أهم الفروع المبنية عليها، ويتحقق ذلك بضبط متنٍ متوسط في كل فنٍّ، وقراءته على شيخ مُجيد، ككتاب التوحيد والواسطية في العقيدة، وزاد المستقنع في الفقه، وقطر الندى في النحو، ومختصر الروضة في أصول الفقه ... إلخ.

3- الضبط التكميلي: وأعني به التوسع في تفريع المسائل على أصولها، مع معرفة أدلتها، والإحاطة بمذاهب المخالفين إجمالًا، وأبرز أدلتهم، وهذا يتحقق بضبط متن أو كتاب موضوعٍ للمنتهين في كل فنٍّ، وقراءته على شيخ محقِّق، كالطحاوية في العقيدة، ومختصر الخرقي في الفقه، وألفية ابن مالك في النحو، وروضة الناظر في أصول الفقه ... إلخ.

4-  الضبط التحريري: وأعني به الاهتمام بتحرير المسائل، وحَلِّ الإشكالات، وفك المعضلات، ويكون ذلك باعتماد مرجِع مطوَّلٍ معتمَد في كل فنٍّ، مع تَكرار النظر فيه، وإدمان مطالعته، وعرض ما يُشكل منه على عالم متمكن في الفن، له خبرة طويلة بمسائله وقضاياه، كدرء التعارض لابن تيمية في العقيدة، وكشاف القناع في الفقه، وشرح الأشموني على ألفية ابن مالك في النحو، والإحكام للآمدي في أصول الفقه ... إلخ.

ولا بد أن يراعي في منهجية ضبط العلم عدة أمور:

-   استفراغ الوسع في ضبط الكتاب المقرَّر في كل مرحلة، دون الاشتغال بغيره.

-   لا تنتقل من مرحلة إلى مرحلة قبل الضبط والتمكِّن مما قبلها، وإلا فمثَلك كمثَل من يحرث في الماء، ويبني على الهواء.

-   إياك والاعتمادَ على عقلك، والثقةَ المطلقةَ بنفسك، بل لابد من شيخ راسخ في الفن، يفتح لك مغاليق المسائل، ويذلِّل لك صعاب العلم.

-   يقبُح بطالب علمٍ أراد التخصصَ في فنٍّ أو أكثرَ ألا يكون له حظٌّ من الضبط التأسيسي في كلِّ العلوم؛ فإن علوم الشريعة يخدم بعضها بعضًا، كالجسد الواحد، لا يَستغني عضو منه عن الآخر.

-    يمكن أن يكتفي طالب العلم في بعض الفنون ببعض مراحلِ الضبط، ولا يشترط أن يكون متخصصًا في جميع الفنون، محرِّرًا لجميع العلوم؛ فإن الكمال عزيز، بل إذا رأى نفسه تميل إلى فنٍّ أو أكثر أقبل عليه تحريرًا وضبطًا وجمعًا.

رزقني الله وإياك العلمَ النافع، والعملَ الصالح.

 

 

إعداد / مركز التبيان للاستشارات

30 من ربيع الأول1437 هجرية

 


([1]) الكتب المذكورة مجرد أمثلة للتقريب، ولا يخفى أن الاختلاف في تقرير المتون واعتمادها اختلاف تنوع، لا مشاحَّة فيه.

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *