المنهجية العامة لدراسة المتون
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

اعلم أن المتن هو ما يكتبه مؤلفه ابتداءً، أو استخلاصًا من كتب من سبقه، دون الارتباط بشرح كتاب آخر، ثم يلحق المتنَ الشرحُ وما إليه، فالمتن إذًا يطلق على الكتاب المقابل للشرح([1]).

ولهذا انحصرت الكتب المصنفة في قواعد العلوم - من جهة المقدار - في ثلاثة أصناف:

الأول: مختصرات تجعل تذكرةً لرؤوس المسائل، يستفيد بها المبتدئ في جمع المسائل، وحفظ الأصول والقواعد، وينتفع بها المنتهي في الاستحضار.

والثاني: مبسوطات تقابل المختصرات، وهذه يُنتفع بها للمطالعة، وتحرير الإشكالات، ومعرفة الخلافات.

والثالث: متوسطات، وهذه نفعها عامٌّ([2]).

ولما ألف المتقدمون دواوينَ كبارًا عسر على المتأخرين حفظها لبرودةٍ وقعت في الهمم، قام المتأخرون باختصارها، وفكرتهم هذه مبنية على مقصدين، وهما:

1-             تقليل الألفاظ تيسيرًا على الحفظ؛ لأن الكلام يبسطُ ليفهمَ، ويختصرُ ليحفظَ.

2-             جمع الفروع المتناثرة، ليكون أجمعَ للمسائل.

وكلٌّ منهما مقصِدٌ حسن، لولا حصول المبالغة في الاختصار التي نشأت عنها أضرار([3])، ولهذا صارت بعض المتون المختصرة شديدةَ الإلغاز والتعقيد، بل صارت - كما يقول ابن خلدون -: «مخلةً بالبلاغة، عسيرةً على الفهم، فيها تخليطٌ على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه، وهو لم يستعدَّ لقبولها بعدُ، وهو من سوء التعليم»([4]).

قال ابن بدران: «الأولى في تعليم المبتدئ أن يجنبه أستاذه عن إقرائه الكتبَ الشديدةَ الاختصار، العسِرةَ على الفهم»([5]).

إلا أن هذا لا يعني الإعراضَ عن سنة العلماء المتبعة سلفًا وخلفًا في الاعتماد على المتون لتلقين مبادئ العلوم، واشتهرت عنهم المقولة الشهيرة: «من حفظ المتون حاز الفنون»، ومن تنكب سبيلهم، وابتغى غير طريقهم وقع في الزلل والخطَل، ولا شيء أضر على المتعلم من الاعتماد على رأيه والاستبداد بعقله، ومخالفة سبيل مَن مضى مِن العلماء قبلَه، فهناك كثير من المتون المختصرة سلمت من هذه المساوئ المذكورة، فأصبحت هي المعوَّلَ عليها في التعليم والتدريس، وتتابع العلماء على إقرائها وشرحها في معاهد العلم، وحلقات الدرس.

لكن يراعى عند دراسة المتون وتدريسها جملةُ أمورٍ تعين على تحقيق المقصود منها، وهي:

1-             أن يكون المتن معتمدًا عند أهل الفن، فلا يحفظ الطالب المتن المغمور المهجور، ويترك المعتمد المشهور، كمن يحفظ «ألفيةَ ابن معطي»، ويترك حفظ «ألفيةِ ابن مالك» في النحو([6]).

2-             أن يعتمد على نسخة مصحَّحة محررة، خالية من السقط والتحريف والتصحيف؛ ليكون أعونَ له على فهم المراد، وصحة تصور المسائل.

3-             أن يقرأ المتن على شيخ متقِنٍ، حصلت له الأهلية والتمكُّن في هذا الفن، وأن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم؛ لأخذه عنهم، وملازمته لهم([7])، ولديه معرفة بطرائق التدريس، بحيث يعرف ما يصلح للمتعلم وما يضره([8]).

4-             أن يشرح الشيخ له المتنَ بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ، بحيث يفهم ما اشتمل عليه، ويصور مسائله في ذهنه، ولا يشغله بما زاد على ذلك([9]).

5-             اعلم أن «كلَّ متنٍ يشتمل على مسائل ما دونه وزيادة، فحقِّقْ مسائلَ ما دونه لتوفر جهدك على فهم الزيادة»([10]).

6-             الاكتفاء بإتقان الشرح المتلقَّى عن الشيخ، وعدم الاشتغال بالمقارنة بين الشروح؛ فإنه مشتتٌ للذهن، مبعدٌ عن التحقيق والضبط.

واللهَ نسأل السداد في القول والعلم والعمل.

 

 

إعداد/  مركز التبيان للاستشارات

23 من ربيع الأول 1437 هجرية.

 


([1]) «المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد» (2/ 678).

([2]) انظر: «أبجد العلوم» (ص: 107) بتصرف.

([3]) انظر: «الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي» (2/ 458).

([4]) «مقدمة ابن خلدون» (2/ 446)، ط. إبراهيم شبوح.

([5]) «المدخل إلى مذهب الإمام أحمد» لابن بدران (ص: 490).

([6]) انظر: «تعظيم العلم» للعصيمي (ص: 49).

([7]) انظر: «الموافقات» (1/ 142).

([8]) انظر: «تعظيم العلم» (ص: 49).

([9]) انظر: «المدخل إلى مذهب الإمام أحمد» (ص: 487).

([10]) «المدخل إلى مذهب الإمام أحمد» (ص: 488) بتصرف.

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *