علو الهمة في طلب العلم
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:

فإن حصول السعادة في الدنيا والآخرة - التي هي غاية جميع بني آدم - لابد له من أمرين:

الأول: القوة العلمية التي يدرك بها الإنسان الطريق الموصل إلى السعادة، وهو العلم النافع.

الثاني: القوة العملية التي تحمل الإنسان على سلوك هذا الطريق، ومكابدة مشاقه، وتحمل صعابه وآلامه، وهو العمل الصالح([1]).

والطريق إلى تحقيق السعادة من خلال هاتين القوتين طريق طويل شاقٌّ، مليء بالعقبات، محفوف بالشبهات والشهوات، يحيط به الأعداء من كل جانب، وهو - كما يقول ابن القيم - «طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقرَ وأنواعَ الأذى محمدٌ r»([2]).

ويمكن أن نجمع كل وسائل تحقيق السعادة في كلمة واحدة جامعة، وهي (علو الهمة)، وأحسن ما قيل في تعريفها هو: «استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور، وطلب المراتب السامية»([3]).

ولما كان العلم أساسَ العمل؛ إذ لا يصح العمل ولا يقبل إلا بالعلم، كان مفتاح تحقيق السعادة علوَّ الهمة في طلب العلم، وعلى قدر علو الهمة في طلبه وتحصيله، يكون حظ العبد من السعادة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال ابن القيم: «وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين: همة ترقِّيه، وعلم يبصره ويهديه»([4]).

والحقيقة التي أجمع عليها عقلاء بني آدم أن جليل المطالب، ومعالي الأمور لا يوصل إليها إلا بتحمل المشاق، وتجشم الصعاب، وركوب الأهوال، وصعود الجبال، ومن كانت بدايته محرقة، كانت نهايته مشرقة، ولا شيء أشرف ولا أجلُّ من طلب العلم الموصل إلى مرضاة الرب تعالى.

قال ابن الجوزي: «تأملت عجبًا، وهو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه، ويكثر التعب في تحصيله؛ فإن العلم لما كان أشرف الأشياء، لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار، وهجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر؛ لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس!»([5]).

فقل لمرجي معالي الأمور          بغير اجتهاد: رجوتَ المحالا

وطلب معالي الأمور مما يحبه الله تعالى، عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله عز وجل يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها»([6]).

ولا شك أن العلم من أجلِّ المعالي التي يسعى الإنسان في تكميل نفسه بها، ولهذا لا يوصل إليه، ولا يصيبه إلا من كابد المشاق، وركب الأهوال، قال يحيى بن أبي كثير – رحمه الله- : «لا يستطاع العلم براحة الجسم»([7]).

فمن البدهيات المسلَّمات أن تحصيل العلم لا يكون بالراحة والدَّعة والكسل، بل بالجهد والتعب والمشقة، قال الإمام الشافعي – رحمه الله -: «والناس في العلم طبقات، موقعهم من العلم بقدر درجاتهم في العلم به، فحق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصًّا واستنباطًا، والرغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا يدرك خير إلا بعونه»([8]).

لا تحسبِ المجدَ تمرًا أنت آكله       لن تبلغ المجدَ حتى تلعق الصبرا

وتأمل هذه الكلمات من الإمام ابن القيم - رحمه الله - التي تمتلئ حروفها بنور العزيمة الصادقة، وتشع من بين سطورها بريق الإرادة المتوهجة؛ إذ يذكر أن هذه المشاق والمتاعب والآلام تصير لها من الحلاوة واللذة عند أصحاب الهمم العالية ما لا يعرفه الجهلاء والكسالى من أصحاب الهمم الدنيئة والعزائم المتبلدة، حيث يقول: «المكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة، فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد... وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.

فيا وصل الحبيب أما إليه      بغير مشقةٍ أبدًا طريقُ

ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حفت بحجاب من المكاره، وحجبوا عنها بحجاب من الجهل، ليختص الله لها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم»([9]).

نسألك اللهم همة عالية تبلغنا بها سبيل هداك، ونعوذ بك من همة دنيئة تقعد بنا عن مواطن رضاك.

 

 

إعداد مركز التبيان للاستشارات

التاسع من ربيع الأول 1437 هـ


([1]) انظر هذا المعنى في: «مجموع الفتاوى» (9/ 136)، «طريق الهجرتين» (ص:183)، «الفوائد» (ص:18).

([2]) «الفوائد» لابن القيم (ص: 42).

([3]) «تهذيب الخلاق» للجاحظ (ص: 28).

([4]) «مفتاح دار السعادة» (1/ 46).

([5]) «صيد الخاطر» (ص: 281).

([6]) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (3/210)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (10/372)، وصححه الألباني (صحيح الجامع برقم 1890).

([7]) أخرجه مسلم (ح612).

([8]) «الرسالة» للشافعي (ص: 19).

([9]) «مفتاح دار السعادة» (1/ 109).

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *