أدب طالب العلم مع الكتاب
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه، محمد وآله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:

فقد ذكرنا في المقال السابق أهمية الكتاب لطالب العلم، وأنه من أعظم الوسائل لنيل العلم وتحصيله، ولهذا كان دأبَ العلماء الشغفُ بالكتب، وجمعُها، وحفظها، وصيانتها، ونذكر هنا - إن شاء الله - جملة من الآداب التي ينبغي على طالب العلم مراعاتها مع الكتاب، فمن ذلك:

1-أن ينوي بجمع الكتب وتحصيلها الاستعانة بها على طلب العلم، لا المباهاة والمفاخرة، والتزين بها في صدور المجالس.

2-أن يعتني طالب العلم بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنه؛ لأنها آلة التحصيل، ولا يجعل تحصيلَها وكثرتها حظَّه من العلم، وجمعَها نصيبَه من الفهم، كما يفعله كثير من المنتحلين للفقه والحديث، وقد أحسن القائل:

إذا لم تكن حافظًا واعيًا     فجمعك للكتْب لا ينفع([1])

3-احرص على جمع الأهم فالمهم من الكتب، وخاصة ما تحتاج إليه في دراستك وقرائتك على المشايخ، وما هو موضوع لك في المنهج العلمي.

4-احرص على اقتناء الأصول من الكتب، واعلم أنه لا يغني منها كتاب عن كتاب، وعليك بالكتب المنسوجة على طريقة الاستدلال والتفقه على علل الأحكام، والغوص على أسرار المسائل([2])؛ فإنها تنمي الملكة، وتشحذ القريحة، وتغنيك عن غيرها.

5-استشر أهل العلم المتخصصين في معرفة ما تحتاجه من الكتب، مما يناسب رتبتك في العلم ومرحلتك في الطلب، واسأل المتخصصين لمعرفة أجود الطبعات وأسلم التحقيقات من التحريف والسقط، وإياك أن تستبد برأيك فيضيع مالك وجهدك.

6-«لا تستفد من كتاب حتى تعرف اصطلاح مؤلفه فيه، وكثيرًا ما تكون المقدمة كاشفة عن ذلك، فابدأ من الكتاب بقراءة مقدمته»([3]).

7- «إذا حزت كتابًا؛ فلا تدخله في مكتبتك إلا بعد أن تمر عليه جردًا، أو قراءة لمقدمته، وفهرسه، ومواضع منه، أما إن جعلته مع فنه في المكتبة، فربما مر زمان وفات العمر دون النظر فيه، وهذا مجرب»([4]).

8- يراعى الأدب في وضع الكتب باعتبار علومها وشرفها، فيوضع الأشرف أعلى الكل، ثم يراعى التدريج؛ فإن كان فيها المصحف الكريم جعله أعلى الكل، ثم كتب التفسير، ثم كتب الحديث وشروحها، ثم أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم الفقه، ثم علوم اللغة العربية، وهكذا([5]).

9-  من تعظيم العلم تعظيم الكتاب، فمن الأدب ألا يمد طالب العلم رجله إلى الكتاب([6])، ولا يهنه بوضعه في مكان لا يليق به، أو امتهانه باستعماله في غير العلم كالجلوس عليه ونحو ذلك.

10- إذا صححت الكتاب بالمقابلة على أصله الصحيح، أو بالقراءة على شيخ، فينبغي لك أن تُشكل المشكل، وتُعجم المستعجم، وتضبط الملتبس([7])، وتصوب المحرف، وتلحق السقط إن وجد.

11-لا بأس بكتابة الفوائد والتنبيهات على حواشي كتاب تملكه، ولا تكتب إلا الفوائد المهمة المتعلقة بذلك الكتاب، مثل تنبيه على إشكال أو احتراز أو رمز أو خطأ ونحو ذلك، ولا تكثر الحواشي كثرة تظلم الكتاب، والأولى ترك الكتابة بين الأسطر([8]).

12-يستحب إعارة الكتب لمن علم منه الانتفاع بها والمحافظة عليها؛ لما فيه من الإعانة على العلم، مع ما في مطلق العارية من الفضل والأجر([9])، وكان السلف يحثون على إعارة الكتب لمن ينتفع بها، قال وكيع: «أول بركة الحديث إعارة الكتب»([10])، ويحذرون من الشح بها وحبسها عن طالبها إن كان أهلًا لها، عن يونس بن يزيد، قال: قال لي الزهري: «يا يونس إياك وغلولَ الكتب قال: قلت: وما غلول الكتب؟ قال: حبسها على أصحابها»([11]). قال الخطيب البغدادي: «كان بعض أهل العلم إذا أتاه رجل يستفيد منه علمًا, أو يستعير منه كتابا امتحنه فإن وجده أهلا له أعاره وإلا منعه»([12]).

نسأل الله علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا متقبلًا.

 

 

إعداد مركز التبيان للاستشارات

4 من ربيع الأول 1437 هجرية



([1]) تذكرة السامع والمتكلم (ص: 126).

([2]) حلية طالب العلم (ص: 195).

([3]) حلية طالب العلم (ص: 196).

([4]) حلية طالب العلم (ص: 196).

([5]) تذكرة السامع والمتكلم (ص: 128).

([6]) تعليم المتعلم طريق التعلم (ص: 29).

([7]) تذكرة السامع والمتكلم (ص: 132).

([8]) تذكرة السامع والمتكلم (ص: 133-134).

([9]) تذكرة السامع والمتكلم (ص: 126).

([10]) الجامع للخطيب البغدادي (1/ 240).

([11]) الجامع للخطيب البغدادي (1/ 242).

([12]) تقييد العلم للخطيب البغدادي (ص: 146).

 

التعليقات :
احمد حسن على 2016-01-18 08:24:16

بارك الله فيكم وزادكم من علمه وجعله الله فى ميزان حسناتكم
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *