أهمية الكتاب في حياة طالب العلم
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن الكتاب هو مستودع العلم، وكنز المعرفة، ورأس مال طالب العلم، يقتبس منه درر الفوائد، ويلتقط منه غرر الفرائد، يأنس به في الوحدة، ويرافقه في الغربة، يطوف به على سير العظماء، وأخبار الفضلاء والحكماء والعلماء، فيعيش معهم بروحه، وإن غاب عنهم بجسده، يبكي القلب لمواعظه، ويستجم الفؤاد بطرائفه، ويزكو العقل بدقيق مسائله، لهذا كان الكتاب في حياة طالب العلم أعزَّ من المال والولد، وفقد الكتاب أشد من فقد الأحباب.

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} [الكهف: 82] قال: «ما كان ذهبًا ولا فضة، كان صُحُفًا علمًا»([1]).

ونقل الخطيب البغدادي عن أحد الحكماء قوله - في بيان منافع الكتب وفوائدها -: «الكتاب قد يفضل صاحبه ويرجع على واضعه بأمور منها: أن الكتاب يقرأ بكل مكان, ويظهر ما فيه على كل لسان, وموجود في كل زمان مع تفاوت الأعصار وبُعد ما بين الأمصار، وذلك أمر مستحيل في واضع الكتاب, والمنازع بالمسألة والجواب، وقد يذهب العالم وتبقى كتبه, ويفنى العقل ويبقى أثره, ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها, وخلَّدت من فنون حِكَمها, ودوَّنت من أنواع سيرها, حتى شاهدنا بذلك ما غاب عنا, وأدركنا به ما بعُد منا, وجمعنا إلى كثيرهم قليلَنا, وإلى جليلهم يسيرنا, وعرفنا ما لم نكن لنعرفه إلا بهم, وبلغنا الأمد الأقصى بقريب رسومهم, إذًا لخسر طلاب الحكمة, وانقطع سببهم عن المعرفة»([2]).

وقد أدرك سلفنا الصالح وعلماؤنا الأوائل فضل الكتب وأهميتها في نيل العلم وتحصيل المعارف، فانكبوا عليها مطالعة واستفادة، وحرصوا عليها جمعًا وحفظًا، قال ابن المبارك: «من أحب أن يستفيد فلينظر في كتبه»([3])، وكان عبد الله بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز لا يجالس الناس، ونزل المقبرة فكان لا يكاد يرى إلا وفي يده دفتر، فسئل عن ذلك فقال: «لم أر قط أوعظ من قبر، ولا أمتع من دفتر، ولا أسلم من وحدة»([4])، وأنشد ابن المعتز:

                      لا شيء أنـفع من كتاب يدرسُ      فيـه السلامـة وهْـو خِـلٌّ مـؤنس

                     رسـم يفيد كما يفــيد ذوو النهى     أعمى أصمُّ عن الفواحش أخرس([5])

وودع رجل صديقًا له، فقال: «استعن على وحشة الغربة بقراءة الكتب؛ فإنها ألسنٌ ناطقة وعيونٌ رامقة»([6]).

وكان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: «كيف أستوحش وأنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم- وأصحابه؟!»([7]). يعني كتب العلم التي حوت أخبارهم وسيرهم.

وكانوا يوصون بحفظ كتبهم من الضياع والتلف، قال الربيع بن سليمان، كتب إليَّ البويطي: «احفظ كتبك، فإنه إن ذهب لك كتاب لم تجد بدله»([8]).

والمحافظة على الكتاب هو سبيل حفظ العلم من النسيان والتفلُّت، فالكتاب يذكرك إذا نسيت، ويصوبك إن أخطأت، ويقومك إن زللت، قال الربيع بن سليمان: خرج علينا الشافعي ذات يوم ونحن مجتمعون، فقال لنا: «اعلموا - رحمكم الله - أن هذا العلم يندُّ كما تند الإبل، فاجعلوا الكتب له حماة، والأقلام عليه رعاة»([9])، ولهذا قال ابن المبارك: «لولا الكتاب ما حفظنا»([10]).

وكانوا يستدلون على عقل الرجل وحكمته بإدمان نظره في الكتاب واشتغاله بالمطالعة، قال أبو عمرو بن العلاء: «ما دخلت على رجل قط، ولا مررت ببابه فرأيته ينظر في دفتر وجليسه فارغ، إلا حكمت عليه واعتقدت أنه أفضل منه عقلًا»([11]).

ومن شغفهم بالكتاب أنهم كانوا لا يفارقونه حتى في ساعات النوم وأوقات الراحة، روي عن الحسن اللؤلؤي أنه قال: «لقد غبرت لي أربعون عامًا ما قمت ولا نمت إلا والكتاب على صدري»([12]).

هذه بعض أخبارهم مع الكتاب، وهي تنبئك عن أن تعظيهم للكتاب واهتمامهم به ناشئ عن تعظيمهم العلم وعلو همتهم في طلبه وتحصيله، رزقنا الله اقتفاء أثرهم، واتباع سبيلهم.

 

 

إعداد مركز التبيان للاستشارات

24 صفر 1437هـ



([1]) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (2/ 400) وصححه ووافقه الذهبي.

([2]) «تقييد العلم» للخطيب البغدادي (ص: 118).

([3]) «تقييد العلم» (ص: 140).

([4]) «جامع بيان العلم وفضله» (2/ 1231).

([5]) «تقييد العلم» (ص: 124).

([6]) «تقييد العلم» (ص: 124).

([7]) «سير أعلام النبلاء» (8/ 382).

([8]) «الجامع لأخلاق الراوي» (1/ 244).

([9]) «تقييد العلم» (ص: 114)

([10]) تقييد العلم للخطيب البغدادي (ص: 114)

([11]) جامع بيان العلم وفضله (2/ 1231)

([12]) جامع بيان العلم وفضله (2/ 1231)

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *