السلف وحفظ الوقت
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعه، وبعد:

فقد بينا في المقال السابق أهمية حفظ الوقت لطالب العلم، وأن الوقت هو رأس ماله، وأساس حياته وعمره، وواجب عليه أن يستثمر كل نفَس فيه في طاعة تقربه، أو علم ينفعه.

وفي هذا المقال نعرض صورًا مشرقة، ونماذج مضيئة في حياة سلفنا، تبين كيف كانت همتهم في حفظ أوقاتهم، واستثمار أعمارهم، ورعاية أنفاسهم حتى بلغوا الغاية في العلم والعمل، وصاروا أئمة في الدين، حفظ الله بهم الشريعة، ونصر الله بهم السنة، وقمع بهم البدعة([1]).

فهذا الإمام حماد بن سلمة بن دينار (ت167هـ)، الذي قال عنه الذهبي: «كان بحرًا من بحور العلم»([2])، ما بلغ هذه المرتبة من العلم إلا لأنه - كما جاء في ترجمته - «كان مشغولًا بنفسه، إما أن يحدث، وإما أن يقرأ، وإما أن يسبِّح، وإما أن يصلي، وكان قد قسم النهار على هذه الأعمال»([3]).

وكان الإمام سُلَيم بن أيوب (ت447هـ) - كما يقول الذهبي - «يحاسب نفسه على الأنفاس، لا يدع وقتًا يمضي بغير فائدة، إما ينسخ، أو يدرس، أو يقرأ»([4])، فتأمل قوله: «يحاسب نفسه» لتعلم أن حفظ الأنفاس يحتاج إلى مراقبة ومحاسبة ومجاهدة.

ومن شدة حرص الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ) على وقته، أنه كان يقول: «أثقل ساعاتٍ عليَّ ساعةٌ آكل فيها»([5])، وذلك لأنها تقطعه عن لذة الاشتغال بالعلم، لكن لابد له منها.

والإمام المفسر المؤرخ الفقيه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310هـ) الذي جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، كان له من علو الهمة في التصنيف والمحافظة على وقته الشيء العجيب، حتى إنه قال لأصحابه يومًا: «أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله ماتت الهمم»([6]). لكن تأمل قوله: «فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة» لتعلم أن موسوعتيه في التفسير (جامع البيان) والتاريخ (تاريخ الرسل والملوك) إنما اختصرهما رعاية لهمم طلاب العلم الميتة في زمانه، وهما مما تكل الهمم عن قراءتهما في عصرنا هذا!!

واستمع إلى هذه القصة العجيبة التي وقعت للإمام مسلم بن الحجاج (ت 261هـ) التي تدل على تفانيه في حب العلم وصرف جُلِّ وقته وعمره في جمع السنة، فقد حضر الإمام مسلم مجلسًا لمذاكرة الحديث مع أقرانه، فذُكر له حديث فلم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وقُدِّمت له سلة فيها تمر، فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث، حتى قيل: كان ذلك سبب موته([7]).

وهذا الخطيب البغدادي أحد الأئمة الحفاظ (ت 463هـ) بلغ من شغفه بالعلم وحرصه على الوقت أنه «كان يمشي وفي يده جزء يطالعه»([8]).

ولا ننسى في هذه السلسلة النورانية سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ)، فقد كان آية في الحفاظ على وقته، وكان سريع الكتابة، حاضر الذهن، حتى «أملى الحموية الكبرى بين الظهر والعصر»([9])، وتقع الحموية الكبرى - كما هو معلوم - في مجلد كبير، وفيها من غرائب النقول، وبديع التحريرات ما جعلها مصدرًا مهمًّا، ومقررًا دراسيًّا في علم الاعتقاد، وكذلك العقيدة الواسطية التي هي تلخيص دقيق لمجمل مذهب أهل السنة في الاعتقاد بعبارات محررة جامعة، قال عنها شيخ الإسلام: «كتبت هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر»([10]).

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير مما أثر عن سلفنا الصالح في حفظ أوقاتهم ورعاية أنفاسهم، فكانوا بذلك أئمة نفع الله بهم، وخلد ذكرهم، فأحياهم وهم في قبورهم بما تركوه للأمة من علم نافع، نسأل الله أن يلحقنا بهم، وأن يحشرنا في زمرتهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

 

إعداد

مركز التبيان للاستشارات

21 صفر 1437 هجرية

 

 



([1]) انظر لزامًا ما كتبه العلامة عبد الفتاح أبو غدة في كتابه النفيس «قيمة الزمن عند العلماء».

([2]) «سير أعلام النبلاء» (7/ 446).

([3]) «سير السلف الصالحين» لإسماعيل بن محمد الأصبهاني (ص: 989).

([4]) «تاريخ الإسلام» (9/ 695).

([5]) «الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه» (ص: 87).

([6]) «تاريخ بغداد» (2/ 548).

([7]) «تهذيب التهذيب» (10/ 127).

([8]) «تذكرة الحفاظ» للذهبي (3/ 224)

([9]) «العقود الدرية» لابن عبد الهادي (ص: 83).

([10]) مجموع الفتاوى (3/ 164)

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *