طالب العلم وحفظ الوقت...!
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

فإن من أجلِّ النعم التي امتن الله بها على عباده نعمة الوقت، التي هي رأس مال ابن آدم في هذه الحياة، فإن أحسن استغلال وقته واستثماره فيما يعود عليه بالنفع ربح وفاز، وإن أساء استعماله، وأضاعه في اللهو واللعب خسر وهلك، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} إلخ السورة [العصر: 1، 2]، والقسم بالعصر - الذي هو الدهر والزمن عند جمهور المفسرين([1]) - له دلالة على أهميته وقيمته في حياة المسلم عامة، وطالب العلم خاصة، فدلت السورة على أن «الإنسان إذا لم يستعمل نفسه وعمره فيما يوجب له الربح الدائم، فهو في خسران؛ لأنه عمل في إهلاك نفسه وعمره، وهما أكبر رأس ماله»([2]).

ويبين النبي صلى الله عليه وسلم عِظَم قدر هذه النعمة التي يغفل عن استثمارها كثير من الناس، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»([3])، والتعبير بالغبن مشعر بعظيم حرمان وخسران من أضاع وقت الفراغ فيما لا يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، ويكشف الإمام ابن الجوزي عن حقيقة حصر الغبن في تضييع هاتين النعمتين بقوله: «اعلم أنه قد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا للعبادة لاشتغاله بأسباب المعاش، وقد يكون متفرغًا من الأشغال ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا للعبد، ثم غلب عليه الكسل عن نيل الفضائل، فذاك الغبن، كيف والدنيا سوق الرباح، والعمر أقصر، والعوائق أكثر»([4]).

وقد أصاب – رحمه الله – بهذه الكلمات كبد الحقيقة.

ولعظيم أهمية الوقت والزمن في حياة المسلم يوقف العبد للسؤال عنه بين يدي الله يوم القيامة، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟»([5])، ولو تأملت هذه السؤالات الخمس لوجدت أن محورها الأساس هو الوقت، فالشباب، واكتساب المال، وإنفاقه، والعمل بالعلم كلها تتوقف على حسن استغلال الوقت والعمر وشغل الفراغ بعبادة الوقت.

قال ابن القيم - رحمه الله -: «فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، وإن ضيعه لم يستدركه أبدًا ... فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر أسرع من السحاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، وإن عاش فيه عاش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته»([6]).

وعالي الهمة يرى أن العمر لا يفي ببعض مطلوبه من المعالي، فهو يتقطع حسراتٍ، يسابق الزمن سعيًا لتحقيق مقصوده، استمع إلى الإمام ابن الجوزي وهو يقول: «إنني رجل حُبِّب إليَّ العلم من زمن الطفولة، فتشاغلت به، ثم لم يحبب إليَّ فن واحد منه، بل فنونه كلها، ثم لا تقتصر همتي في فنٍّ على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا يسع، والعمر أضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى وقوف بعض المطلوبات حسرات»([7])، ثم يقدم لك هذه الوصية الغالية بقوله: «فاللهَ اللهَ في مواسم العمر! والبدارَ البدارَ قبل الفوات! واستشهدوا العلم، واستبدلوا الحكمة، ونافسوا الزمان، وناقشوا النفوس، واستظهروا بالزاد، فكأن قد حَدَا الحادي، فلم يفهم صوته من وقع دمع الندم»([8]).

وسنعرض - إن شاء الله تعالى - في مقال لاحق نماذج من حرص سلفنا على حفظ الوقت، واستغلال نعمة الزمن، لتعرف كيف بلغوا إلى ما بلغوا إليه؟

 

إعداد مركز التبيان للاستشارات

26 محرم 1437هـ



([1]) انظر: «تفسير الطبري» (24/612).

([2]) «زاد المسير» لابن الجوزي (4/ 487).

([3]) أخرجه البخاري (ح6412).

([4]) «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (2/ 437-438).

([5]) أخرجه الترمذي (ح2416)، والطبراني في «الأوسط» (7/307)، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة برقم 946).

([6]) «الجواب الكافي» (ص: 156-157).

([7]) «صيد الخاطر» (ص: 51).

([8]) «صيد الخاطر» (ص: 157).

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *