التدرج في طلب العلم !
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

التدرج سنة كونية قامت عليها الخليقة، وسنة شرعية دل عليها الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106]، وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32]، وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق»([1])، فأصل نزول الوحي وتعليم الشريعة إنما قام على التدرج والتأني.

 

وهكذا ينبغي أن يكون طلب العلم بالتدريج، والتنقل من رتبة إلى رتبة، ومن مسألة إلى مسألة، ومن متن إلى متن، ومن فنٍّ إلى فنٍّ، وإنما يُجمع العلم مع الأيام والليالي، و«العلم درجات لا سبيل إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها»([2]).

 

ومن وصايا السلف الجامعة في هذا الباب، ما ذكره يونس بن يزيد قال: قال لي ابن شهاب: «يا يونس، لا تكابر العلم؛ فإن العلم أودية, فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة؛ فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام»([3]).

 

ومن وصايا حماد بن أبي سليمان لأبي حنيفة - لما جاءه يطلب الفقه - قال: «تعلم كل يوم ثلاث مسائل، ولا تزد عليها شيئًا حتى يتفق لك شيء من العلم» ففعل, ولزم الحلقة حتى فقه, فكان الناس يشيرون إليه بالأصابع([4]).

 

وكان السلف يراعون التأني والتدرج والتؤدة في أخذ العلم وتحصيله حرصًا على إتقانه وإحكامه وحفظه، ولا يتعجلون أخذه خشية تفلته وضياعه؛ فإن كثرة العلم ينسي بعضه بعضًا، كما قال سفيان الثوري: «كنت آتي الأعمش ومنصورًا، فأسمع أربعة أحاديث، خمسة، ثم أنصرف، كراهة أن تكثر وتفلت»([5])، وقال شعبة: «كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثين، فيحدثني ثم يقول: أزيدك؟ فأقول: لا حتى أحفظهما وأتقنهما»([6]).

ولذا قال ابن عبد البر - رحمه الله -: «طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف - رحمهم الله -، ومن تعدى سبيلهم عامدًا ضل، ومن تعداه مجتهدًا زل»([7]).

ثم اعلم أن التدرج في طلب العلم إنما يكون بأمور:

 

الأول: التدرج في العلوم والفنون، فيبدأ بتعلم فروض الأعيان قبل فروض الكفايات، وعلوم المقاصد والغايات قبل علوم الوسائل والآلات، والأهم قبل المهم، فعليه «أن يبتدئ أولًا بكتاب الله العزيز فيتقنه حفظًا؛ فإنه أصل العلوم وأمها وأهمها، ثم يحفظ من كل فن مختصرًا»([8]).

 

الثاني: التدرج في الفن الواحد من متن أو كتاب مختصر إلى متوسط إلى موسع مبسوط، ولا تنتقل من متن أو كتاب إلى آخرَ حتى تُحْكِم ما قبله، و«كل كتاب أو متن يشتمل على مسائل ما دونه وزيادة، فحقق مسائل ما دونه لتوفر جهدك على فهم الزيادة»([9])، ومن نظر في المطولات والمبسوطات قبل إتقان المختصرات أضر بفهمه وعلمه، وقد قيل: طعام الكبار سم الصغار.

 

الثالث: التدرج في دراسة المتن أو الكتاب، فيبدأ أولا بتقسيم المتن إلى أجزاء، يتلقى كل يوم أو درس جزءًا لا يتعداه، ثم يقتصر على تصور مسائله على سبيل الإجمال، ويجتهد عند الأخذ عن شيخه والتلقي منه فهم مقاصد الكتاب، ومفاتيح العلم، فإذا أحكم المتن فهمًا وتصورًا وحفظًا بدأ بمطالعة شروحه على قدر فهمه، ولا يتوسع في ذلك إلا بمقدار ما يعينه على تفهم الكتاب وحل ألفاظه، وتوضيح مشكلاته، ولا يستبد برأيه، بل يستشير من هو أعلى منه رتبة في العلم([10]).

 

واللهَ نسأل أن يرزقنا وإياكم العلم والعمل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

إعداد

مركز التبيان للاستشارات

19 محرم 1437هـ
 

 

 

 

 


([1]) أخرجه أحمد في «المسند» (ح13052)، وهو حديث حسن (صحيح الجامع رقم 2246).

([2]) «جامع بيان العلم وفضله» (2/ 989).

([3]) «جامع بيان العلم وفضله» (1/ 431).

([4]) «الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي (2/ 201).

([5]) «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب البغدادي (1/ 232).

([6]) «الجامع» للخطيب البغدادي (1/ 232).

([7]) «جامع بيان العلم وفضله» (2/ 1129).

([8]) «تذكرة السامع والمتكلم» (ص: 51) بتصرف.

([9]) «المدخل إلى مذهب الإمام أحمد» لابن بدران (ص: 488).

([10]) انظر: «مقدمة ابن خلدون» (2/447)، «المدخل» لابن بدران (ص: 487-490)، «آثار ابن باديس» (4/203).

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *