أدب طالب العلم مع شيخه
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

 

ذكرنا في مقال سابق أهمية الشيخ في طلب العلم، وأن الأصل في طلب العلم أخذه مشافهة عن أهله المتحققين به، فالشيخ لطالب العلم مفتاح لولوج باب العلم وفهمه والرسوخ فيه، وعلى قدر ملازمة الطالب لشيخه وقربه منه تكون استفادته منه وانتفاعه به، ولذا كان لابد لطالب العلم من مراعاة الأدب مع شيخه رعاية لحقه، وحفظًا لوده، ومن هذه الآداب:

 

  -  أن يتأنى في اختيار شيخه، وألا يطلب العلم على كل من تصدر للتدريس والتعليم، وتزيَّا بزي العلماء وليس منهم، فلابد أن يتخذ شيخًا معروفًا بالأخذ عن العلماء، مشهورًا بالديانة والتقوى، كما قال السلف: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»([1])، وقال الخطيب البغدادي: «ينبغي للمتعلم أن يقصد من الفقهاء من اشتهر بالديانة, وعرف بالستر والصيانة»([2])، ويحكي ابن الجوزي تجربته في التلقي عن العلماء، فيقول: «لقيت مشايخ أحوالهم مختلفة، يتفاوتون في مقاديرهم في العلم، وكان أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعلمه، وإن كان غيره أعلم منه»([3]).

 

    -   أن يكثر من ملازمته، ويتأسى بالمحمود من هديه وسمته وخلقه، فهذا من أهم المقاصد المرجوة من مصاحبة العلماء، وكان هذا هديَ السلف مع علمائهم، فقد «كان أصحاب عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يرحلون إلى عمر- رضي الله عنه فينظرون إلى سمته وهديه ودلّه فيتشبهون به»([4])، وقال ابن سيرين - رحمه الله-: «كانوا يتعلمون الهَدْيَ كما يتعلمون العلم»([5])، وقال عبد الله بن المبارك - رحمه الله -: «طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، كانوا يطلبون الأدب ثم العلم»([6])، و«كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء على خمسة آلاف، أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون، والباقي يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السمت»([7]).

 

  -  أن يعتني عند الأخذ عن شيخه والقراءة عليه بــ «فهم قواعد العلم وتطبيقها حتى تحصل ملكة استعمالها، فأما توسيع دائرة الفهم والاطلاع؛ فإنما يتوصل إليها الطالب بنفسه بمطالعاته للكتب، ومزاولته للتقرير والتحرير»([8]).

 

- التواضع للشيخ وتوقيره وإجلاله، والتزام الأدب في مجلسه، وحسن الإصغاء إلى كلامه؛ فإن هذا العلم لا ينال إلا بذل النفس، ومن أراد أن يأخذه بعزة نفس لم يفلح، قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: «إن من حق العالم ألا تُكثر عليه بالسؤال، ولا تُعنته في الجواب، وألا تُلحَّ عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشين له سرًّا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره، وتعظمه لله ما دام يحفظ أمر الله، ولا تجلسن أمامه، وإن كانت له حاجة سبقتَ القوم إلى خدمته»([9])، وقال الشافعي - رحمه الله -: «كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحًا رفيقًا هيبةً له؛ لئلا يسمع وقعها»([10]).

 

- أن يصبر على جفوة شيخه، ولا يصده عن ملازمته ما قد يراه من سوء خلق وحدة طبع، بل يداريه ويلاطفه ويتودد إليه، وعن بعض السلف: «من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبدًا»([11]).

 

هذه بعض جمل من آداب طالب العلم مع شيخه، وهي تدل على غيرها، وترشد إلى مثيلاتها.

 

واعلم ياطالب العلم ! أنه يستعان بالأدب على طلب العلم، فالزم طريق الأدب تحصل العلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

إعداد مركز التبيان للاستشارات

20 ذي الحجة لعام 1436 هـ

 



([1]) انظر: «الموطأ» (1/25)، «صحيح مسلم (1/14)، «سنن الدارمي» (1/397).

([2]) «الفقيه والمتفقه» (2/ 191).

([3]) «صيد الخاطر» (ص: 158).

([4]) «غريب الحديث» للقاسم بن سلام (3/384).

([5]) «الجامع» للخطيب البغدادي (1/ 79).

([6]) «غاية النهاية» لابن الجزري (1/ 446).

([7]) «الآداب الشرعية والمنح المرعية» (2/ 12).

([8]) «آثار ابن باديس» (4/ 203).

([9]) «جامع بيان العلم وفضله» (1/519).

([10]) «تذكرة السامع والمتكلم» لابن جماعة (ص: 41).

([11]) «جامع بيان العلم وفضله» (1/ 414).

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *