يا طالب العلم العمل العمل !
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

إن الشارع الحكيم إنما حث على طلب العلم الشرعي لا لكونه مقصودًا لذاته، وإنما لأنه وسيلة إلى العمل والتعبد لله تعالى، الذي هو الغاية العظمى من خلق الجن والإنس، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

وعلى هذا دلت نصوص الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة من سلف هذه الأمة.

 

فأخبر الله جل وعلا أن العلماء على الحقيقة هم الذين تحققوا بالعلم، وعملوا به، فأورثهم خشية الله في السر والعلن، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، ولهذا قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: «إني لأحسب الرجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها, وإن العالم من يخشى الله، ثم تلا: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}»([1]).

وبين الله جل وعلا أن فضل العلماء على الجهلاء إنما يكون بعملهم بما علموا، قال سبحانه: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9]، «وأراد بالذين يعلمون: العاملين من العلماء، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم، وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم، ثم لا يقنتون، ويفتنون فيها، ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة، حيث جعل القانتين هم العلماء»([2]).

وقال الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44] «ولذلك كان وزر العالِم في معاصيه أكثرَ من وزر الجاهل؛ إذ يزل بزلته عالَم كثير، ويقتدون به»([3]).

 

والعلم النافع هو الذي يقود صاحبه إلى العمل، فيكون حجة له لا عليه، عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه»([4])، فدل على أن العلم الذي يرتفع به العبد عند الله، ويكون سببًا في النجاة، هو العلم المقرون بالعمل، قال الحسن البصري: «العلم علمان: علم على اللسان، فذاك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذاك العلم النافع»([5]). وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه -، أنه قال: «إنما أخاف أن يقال لي يوم القيامة: أعلمتَ أو جهلتَ؟ فأقول: علمتُ، فلا تبقى آية في كتاب الله تعالى آمرة أو زاجرة إلا جاءتني تسألني فريضتها، فتسألني الآمرةُ: هل ائتمرتَ؟ والزاجرةُ: هل ازدجرتَ؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع»([6]).

 

وكان هذا دأبَ السلف الصالح - رحمهم الله - يعملون بما يعلمون، فيُرى أثر العلم في عباداتهم وأخلاقهم، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: «حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يقترئون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل»([7]).

وقال القاسم ابن محمد: «أدركت الناس وما يعجبهم القول، إنما يعجبهم العمل»([8]). وقال الحسن: «كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه، وبصره، ولسانه، ويده، وصلاته، وحديثه، وزهده ، وإن كان الرجل ليصيب الباب من أبواب العلم فيعمل به، فيكون خيرًا له من الدنيا وما فيها لو كانت له فجعلها في الآخرة»([9]).

 

فالزم يا طالب العلم سبيل سلفك الصالح، بالعمل بما علمت، فاحرص على الفرائض والنوافل والقُربات، واجتنب المحرمات والمكروهات وفضول المباحات، يباركْ لك في علمك، واعلم «أن العلم شجرة، والعمل ثمرة، وليس يعد عالما من لم يكن بعلمه عاملًا، فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشًا من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصرًا في العمل، ولكن اجمع بينهما، وإن قل نصيبك منهما»([10])، فـ«روح العلم هو العمل، وإلا؛ فالعلم عارية وغير منتفع به»([11]).

 

فنسألك اللهم علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا متقبلًا، «ونعوذ بالله من علم عاد كَلًّا، وأورث ذلًّا، وصار في رقبة صاحبه غُلًّا»([12]).

 

 

إعداد مركز التبيان للاستشارات

13 ذي الحجة لعام 1436 هـ



([1]) «جامع بيان العلم» (1/689).

([2]) «الكشاف» (4/117).

([3]) «إحياء علوم الدين» (1/ 58).

([4]) أخرجه الترمذي (ح2417) وقال: «حسن صحيح»، والدارمي (ح554).

([5]) أخرجه الدارمي (ح376) بسند صحيح.

([6]) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (1/213).

([7]) أخرجه أحمد في «المسند» (38/ 466) بإسناد حسن.

([8]) أخرجه أبو داود في «الزهد» (ص: 354).

([9]) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص: 26)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1/ 258).

([10]) «اقتضاء العلم العمل» للخطيب البغدادي (ص: 14).

([11]) «الموافقات» (1/ 75).

([12]) «اقتضاء العلم العمل» (ص: 15).

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *