أهمية تلقي العلم عن المشايخ !
تم النشر: 0000-00-00 00:00:00

إن أمة الإسلام اختصت بالإسناد، ولهذا كان «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء» كما قال الإمام ابن المبارك - رحمه الله -([1])، ولما كانت علوم هذه الأمة محفوظة في الصدور منقولة عبر الصحف والسطور، كان السبيل لفهم ما نُقل في السطور هو تلقي علم ما في الصدور، وقد قالوا: «إن العلم كان في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال»([2])، «وكان يقال: لا تحملوا العلم عن صحفي، ولا تأخذوا القرآن عن مصحفي»([3]).

 

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن سبيل حفظ العلم من الضياع أخذه عن العلماء، وأن موتهم وانعدام من يخلفهم هو ضياع العلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»([4]). قال الإمام النووي: «وفي هذا الحديث الحث على حفظ العلم وأخذه عن أهله»([5]).

 

وبين صلى الله عليه وسلم أن الأصل في نقل العلم هو السماع والتلقي والمشافهة، لا الأخذ من بطون الصحف، ومطالعة الكتب، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسمعون، ويسمع منكم، ويُسمع ممن يَسمع منكم»([6]). قال الحافظ ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث دليل على تبليغ العلم ونشره»([7]).

 

وقد تتابعت كلمات العلماء الأعلام على بيان هذا الأصل، وأن الأصل في طلب العلم أخذه عن أهله بالتلقي والسماع والمشافهة، وعلى هذا انعقد الإجماع.

قال العلامة مرتضى الزبيدي: «وقد أجمع العلماء على فضل التعليم والتعلم من أفواه الشيوخ»([8]).

وبين الإمام الشاطبي أن التلقي عن العلماء هو أنفع الوسائل لحصول العلم، بقوله: «من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام»([9]).

بل لفت ابن خلدون إلى أن كثرة ملازمة العلماء سبيل تحصيل المواهب والملكات، والرسوخ والتمكن في العلم، فقال: «حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكامًا وأقوى رسوخًا، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملَكات ورسوخها»([10]).

 

وصدق أبو حيان الأندلسي في قوله:

يظن الغمر([11]) أن الكتب تهدي ... أخا ذهن لإدراك العلوم

وما يدري الجهول بأن فيها ... غوامضَ حيرت عقلَ الفهيم

إذا رُمتَ العلوم بغير شيخ ... ضللت عن الصراط المستقيم

وتلتبس الأمور عليك حتى ... تصيرَ أضلَّ من توما الحكيم([12])

 

فمن ثمرات التلقي عن المشايخ: تحصيل الأدب، وحل المشكِل، وضبط المشتبه، وتقويم الرأي، وتسديد الفهم، وفتح المغلَق، وتحصيل الملكة، واتصال النسب.

فالزم يا طالب العلم مشافهة العلماء ومزاحمتَهم بالركب، وإياك والاقتصارَ على الوسائل الجامدة في تحصيل العلم، فإنها لا تسدِّد فهمًا، ولا تعلِّم أدبًا، ولا تقوِّم خلقًا.

رزقنا الله وإياك العلم والعمل والأدب.

 

 

إعداد

مركز التبيان للاستشارات

30 ذي القعدة لعام 1436 هـ

 

 

 

 

 


([1]) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (1/15).

([2]) «الموافقات» للشاطبي (1/ 140).

([3]) «أخبار المصحفين» للعسكري (ص: 32).

([4]) أخرجه البخاري (ح100)، ومسلم (ح2673).

([5]) «شرح النووي على مسلم» (16/ 225).

([6]) أخرجه أحمد في «المسند» (ح2945)، وأبو داود في «السنن» (ح365)، وصححه الألباني (صحيح الجامع برقم 5258).

([7]) «جامع بيان العلم وفضله» (1/ 191).

([8]) «إتحاف السادة المتقين» (1/66).

([9]) «الموافقات» (1/ 139).

([10]) «مقدمة ابن خلدون» (ط. إبراهيم شبوح) (2/ 462).

([11]) الغمر - بفتح الغين وضمها -: من لم يجرب الأمور، وهو الجاهل الغر. انظر: «تاج العروس» (13/ 256).

([12]) «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي (9/ 286).

 

التعليقات :
إضافة تعليق :
الاسم ثلاثي *
البريد الالكتروني *
عنوان التعليق *
 
التعليق *