عرض الاستشارات

اسم المستشير :       رقم الاستشارة : 694
السؤال :

أحياناً نجد بعض الأحاديث التي حكم عليها علماء الحديث قديماً بالضعف كابن حبان، وأبي حاتم، وابن خزيمة وغيرهم. وهذه الأحاديث حكم عليها علماء حديث معاصرون بالتصحيح أو العكس. فلمن يكون الترجيح؟ فهناك من يقول نأخذ قول العلماء الأوائل؛ لأنهم أقرب عهداً برواة الحديث، وبالسلف الصالح، وهناك من يقول إن الترجيح للمعاصرين؛ لأنهم أوتوا من سبل البحث والتحقيق ما لم يؤتَ أولئك. نرجو التوضيح

الجواب :

الحمد لله،  وبعد:

فهذا السؤال يتصل بقضية كثر الكلام فيها أخيراً، ولعلي أجمل الجواب في ست نقاط.

الأولى:

لا ريب أن الأصل هو التعويل والرجوع إلى الأئمة المتقدمين،  وهذا ليس خاصاً بعلم الحديث بل في كل فن من علوم الشريعة.

الثانية:

من حيث العموم فأئمة الحديث المتقدمون أعلم من المتأخرين، وأدقّ نظراً، وأقرب عهداً بعصور الرواية والتدوين؛ فقد شاهدوا جمعاً غفيراً من حملة الآثار ورواة الأسانيد، ووقفوا على كتبهم وأصولهم التي يروون منها،  فتحصّل عندهم، وتهيأ لهم من ملكة النقد، والقدرة على التمحيص ما لم يتهيأ لغيرهم ممن أتى بعدهم،  خاصة في أدق وأجل علوم الحديث، وهو علم (العلل) الذي برز فيه جمع من الأئمة الكبار كابن المديني، وأحمد  والبخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم.

الثالثة:

إذا تقرر أن الأئمة المتقدمين لهم من المزايا والخصائص ما ليس لغيرهم ممن أتى بعدهم، فإنه يجب التسليم لقولهم إذا اتفقوا ولم ينقل عنهم اختلاف  ولو خالفهم بعض المتأخرين، يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: "فمتى وجدنا حديثاً قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى تباعه في ذلك، كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه"[1].

وللعلائي، وابن كثير، والسخاوي -رحمهم الله- كلام يدور حول هذا المعنى. فينظر: (اختصار علوم الحديث: 79)، و(فتح المغيث: 1/237).

الرابعة:

هذا الذي سبق فيما إذا اتفق المتقدمون على الحكم على الحديث بالصحة أو الضعف، فأما إذا اختلفوا، فإن كان الشخص قادراً على المقارنة والترجيح أخذ بما تطمئن إليه نفسه، وإن كان لا يقدر فيقلد من يرى أنه أعلم بهذا الشأن، كما بيّن ذلك غير واحد من الحفاظ المتأخرين كالعلائي رحمه الله.[2]

الخامسة:

أن قول بعض الناس إن سبب ترجيح قول المعاصرين لكونهم أوتوا من سبل البحث والتحقيق ما لم يكن للأوائل، فالحقيقة أن هذا الكلام لا يصدر ممن له أدنى اطلاع ومعرفة بأقدار الأئمة، وما آتاهم الله عز وجل من سعة الاطلاع العجيب، والفهم الدقيق، والنظر العميق في الأحاديث  وطرقها وعللها، ومعرفة أحوال رواتها على وجه الدقة.

ويكفي أن يعلم السائل الكريم أن المتأخرين لم يظفروا بكثير من الطرق التي كانت معروفة عند الأئمة.

ثم أين يقع علم المتأخرين الذين علم كثير منهم في كتبه، مع علم الأئمة المتقدمين الذين أكثر علمهم محفوظ في صدورهم،  يأتون به متى شاءوا؟!

ولا ريب أن هذا كلّه لا يعني انتقاص أقدار العلماء المتأخرين -ومنهم المعاصرون- حاشا والله، بل لهم فضل وأثر كبير في نفع الأمة، وخدمة السنة، وإنما المقصود بيان منازل أولئك الأئمة ومعرفة أقدارهم على وجه الإيجاز الشديد.

السادسة:

أن السائل – بارك الله فيه – قرن في سؤاله بين ثلاثة من الأئمة وهم: أبو حاتم الرازي، وابن خزيمة، وابن حبان.

ومع الاتفاق على جلالة هؤلاء الأئمة إلاّ أن أهل العلم بالحديث يقدمون أبا حاتم على ابن خزيمة، كما يقدمون ابن خزيمة على تلميذه ابن حبان، رحم الله الجميع.

فأبو حاتم له طريقة متميزة في النقد على مشرب الأئمة الكبار: أحمد  والبخاري، وأبي داود، والنسائي، وغيرهم.

وابن خزيمة مع موافقته في كثير من الأحيان لمشرب الأئمة، إلاّ أنه أحياناً – مع تلميذه ابن حبان – لهما طريقة في النقد لا يوافقهما عليها الأئمة الكبار  ومن سار على طريقتهم.

ومقصودي من هذا التنبيه أن تُعلم أقدار الأئمة، وأن الله تعالى فضّل بعضهم على بعض في العلم والفهم، ينبغي أن يلاحظ هذا ويعتبر عند النظر في كلامهم، والله أعلم. 

 


[1] انظر: (النكت: 2/711).

[2] ينظر: (فتح المغيث: 1/236).

المستشار : أ. د. عمر بن عبد الله المقبل
تقييم مدى استفادة الزائر من الاستشارة