عرض الاستشارات

اسم المستشير :       رقم الاستشارة : 676
السؤال :

لا يُنكَرُ المختَلَفُ  فيه، وإنما يُنكَر المُجْمَعُ عليه؛ هذه قاعدةٌ فقهيةٌ مهمةٌ، والمعمولُ به أن تُطبَّق هذه القاعدة في الفروع فقط، دون العقيدة، لماذا؟ مع أن الاختلافَ الواقع في الفروع وقَع مثله في العقيدة، فلماذا يترك الإنكار على الأول، وينكر على الثاني لدرجة التكفير؟ وإذا قيل للكافرين: لكم دينكم ولي دين، فمتى يَتَآلَفُ المسلمون وبينهم هذه الاختلافات العقدية الشديدة لدرجة التكفير أو التبديع؟

الجواب :

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فتعجُّبُك - أيُّها الأخُ الكريم - في محلِّه لو كان الأمرُ كما ظننتَه؛ إذ الخلافُ واقعٌ في الفُروع كما هو واقعٌ في الأُصول، فلماذا إذًا يُنكَر على مَن خالف في المسائل العقديَّة، بل ويُبدَّعُ إن كان الخلافُ في أصلٍ من الأُصول، ولا يُنكَر على مَن خالف في الفُروع الفقهيَّة؟! هكذا ظننتَ المسألة، كما وقع في هذا الظَّنِّ كثيرون غيرُك،وليس الأمر كذلك؛ فالمسائلُ الخلافيَّة - سواءٌ العلميَّة العقديَّة، أو العمليَّة الفقهيَّة - يُنكَر فيها على المُخالِف بضوابط الإنكار؛ من بيان الحقِّ بعلمٍ وتجرُّد وإنصافٍ وبالحكمة والحُسنى، مع بيان دليل القول الصَّحيح من الكتاب والسُّنَّة، وكذلك مَن قال به مِن أهل العلم والأئمَّة المتَّبعين، وإنما دخل الخطأ في هذه المسألة الجليلة مِن جهة أنَّ العلماء نصُّوا في مباحث الحِسبة على عدم الإنكار في المسائل الاجتهاديَّة التي لا يكونُ فيها أدلَّة قاطعةٌ، وإنَّما مدارُها على الظن، والظَّنُّ ليس عليه دليلٌ عند هؤلاء، وإنما هو من جنس ميل النُّفوس إلى شيء دون شيءٍ؛ قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (30/ 80): "ولهذا قال العُلماءُ المُصنِّفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر من أصحاب الشَّافعي وغيره: إنَّ مِثل هذه المسائل الاجتهادية لا تُنكَر باليد، وليس لأحدٍ أن يُلزِم الناسَ باتِّباعه فيها، ولكن يُتكلَّمُ فيها بالحُجج العلميَّة؛ فمَن تبيَّن له صحَّةُ أحد القولين تبعه، ومن قلَّد أهلَ القول الآخر فلا إنكار عليه".

 

وقال رحمه الله في "الفتاوى الكبرى" (6/ 96): "وقولهم: مسائلُ الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيحٍ؛ فإنَّ الإنكار إمَّا أن يتوجَّه إلى القول بالحُكم أو العمل؛ أمَّا الأولُ: فإذا كان القولُ يخالِفُ سنَّةً أو إجماعًا قديمًا وجب إنكارُه وفاقًا، وإن لَم يكُنْ كذلك فإنَّه يُنكَر؛بمعنى: بيان ضعفه عند مَن يقول: المُصيبُ واحدٌ، وهم عامَّةُ السَّلَف والفُقهاء، وأمَّا العملُ فإذا كان على خلاف سنَّةٍ أو إجماعٍ وجب إنكارُه أيضًا بحسب درجات الإنكار؛ كما ذكرناه مِن حديث شارب النَّبيذ المُختلَف فيه، وكما يُنقضُ حُكمُ الحاكم إذا خالَف سنَّةً، وإن كان قد اتَّبع بعضَ العلماء.

 

وأمَّا إذا لم يكن في المسألة سنَّةٌ ولا إجماعٌ، وللاجتهاد فيها مَساغٌ - فلا يُنكَر على من عمل بها مُجتهدًا أو مُقلِّدًا، وإنَّما دخل هذا اللَّبسُ مِن جهة أنَّ القائل يعتقدُ أنَّ مسائل الخلاف هي مسائلُ الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائفُ من النَّاس، والصَّوابُ الذي عليه الأئمَّةُ أنَّ مسائل الاجتهاد ما لَم يكن فيها دليلٌ يجبُ العملُ به وُجُوبًا ظاهرًا، مثل حديثٍ صحيحٍ لا مُعارِض من جنسه، فيسُوغُ له - إذا عدم ذلك فيها - الاجتهادُ؛ لتعارُض الأدلَّة المُتقاربة، أو لخفاء الأدلَّة فيها، وليس في ذِكر كون المسألة قطعيَّةً طعنٌ على مَن خالفها من المُجتهدين كسائر المسائل التي اختَلف فيها السَّلفُ، وقد تيقَّنَّا صحَّة أحد القولين"؛ اهـ.

 

وفَّقنا الله جميعًا لمعرفة الحقِّ والعمل به.

 

_______

*بتصرف

المستشار : الشيخ خالد الرفاعي
تقييم مدى استفادة الزائر من الاستشارة